ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه لِشَهوةٍ فِيهِمَا …….
قوله: «ولمسُهُما من خُنْثَى مُشْكِل»، لمسُهُما: أي القُبُل والذَّكر. وقوله «من خُنْثَى مُشْكِلٍ» هو الذي لا يُعلم أذكرٌ هو أم أنثى.
أي: إِذا مسَّ قُبُلَ الخُنثى وذَكَرَه انتقض وضوءُه؛ لأنه قد مسَّ فَرجاً أصليّاً إِذ إِنَّ أحدَهما أصليٌّ قطعاً.
قوله: «ولَمسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه»، أي: لمسُ الذَّكرِ ذَكَرَ الخُنْثَى لشهوة.
قوله: «أو أنثى قُبُلَه»، أي: لَمْسُ الأُنثى قُبُلَ الخُنثى لشهوة.
قوله: «لشهوة فيهما»، أي: فيما إِذا مسَّ الذَّكرُ ذكرَ الخُنثى، أو الأنثى قُبُلَهُ.
مثاله: رجلٌ خُنثى، ورجلٌ صحيحٌ، هذا الصَّحيحُ مَسَّ ذَكَرَ الخُنثى لشهوةٍ فينتقضُ وضوؤُه …..
والعلَّة: أنه لمَّا مسَّ هذا الجزء من بدنه لشهوة، فإن كان أنثى فقد مسَّها لشهوة، ومسُّ المرأة لشهوة يَنْقُضُ الوُضُوء على المذهب كما سيأتي ، وإن كان ذكراً فقد مسَّ ذَكَرَه، ومسُّ
الذَّكر ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضُوؤُه منتقضاً على كلِّ تقدير. وإِنْ مسَّ الرَّجلُّ فرجَ الخُنثى لم ينتقضِ الوُضُوءُ، وإِن كان بشهوة؛ لأنَّ الخُنثى إنْ كان ذكراً فقد مسَّه لشهوة، ومسُّ الرَّجُل الرَّجُلَ لشهوة لا ينقضُ الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّ فرجها، لكن ليس لدينا علم الآن بأنَّه أنثى، بل فيه شَكٌّ، فيبقى الوُضُوء على أصله، ولا ينتقض.
وإن كانت الأنثى مَسَّتْ قُبُل الخُنثى لشهوة، فإِن ينتقض الوُضُوء.
مثاله: امرأةٌ صحيحةٌ عندها خُنثى، فمسَّتْ قُبُلَه لشهوةٍ، فإنَّه ينتقضُ الوُضُوء.
والعِلَّة: أنَّه إِن كان الخُنثى ذكراً، فقد مسَّتْه لشهوةٍ، ومسُّ المرأة الرَّجُلَ لشهوة ينقض الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّت فرجها، ومسُّ فرج المرأة ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضوءُها منتقضاً على كلِّ تقدير، والصُّور كما يلي:
١ – مسُّ أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فإِنه لا ينقض مطلقاً، سواء كان اللامس ذكراً أم أنثى.
٢ – مسُّهُما جميعاً، فإِنه ينتقض الوُضُوء مطلقاً.
٣ – مسُّ أحد فرجي الخُنثى المشكل بشهوة؛ فله أربع حالات:
حالتان ينتقض الوُضُوء فيهما وهما:
١ – أن يمسَّ الذَّكرُ ذَكَره.
٢ – أن تمسَّ الأنثى فرجه.
وحالتان لا ينتقضُ الوُضُوء فيهما وهما:
١ – أن يمسَّ الذَّكرُ فرجه.
٢ – أن تمسَّ الأنثى ذَكَرَه …..
وَمَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ ……….
قوله: «ومسُّه امرأةً بشهوة»، هذا هو النَّاقض الخامس من نواقض الوُضُوء.
والضَّمير في قوله: «ومسُّه» يعود على الرَّجُل، أي: مسُّ الرَّجل امرأة بشهوة؛ وظاهره العموم وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحرِّ والعبد.
ولم يقيِّد المؤلِّف المسَّ بكونه بالكَفِّ فيكون عامًّا، فإِذا مسَّها بأيِّ موضع من جسمه بشهوة انتقض وضُوءُه.
والباء في قوله: «بشهوةٍ» للمصاحبة، أي: مصحوباً بالشَّهوة.
وبعضُهم يعبِّر بقوله: «لشهوة» باللام، فتكون للتعليل (١)، أي مسًّا تحملُ عليه الشَّهوةُ.
وقوله: «امرأة» المرأة هي البالغة، ولكن البلوغ هنا ليس بشرط، لكن قيَّده بعضُ العلماء ببلوغ سبع سنين، سواءٌ من اللامس أم الملموس (٢). وفيه نظر؛ لأن الغالب فيمن كان له سبع سنوات أنَّه لا يدري عن هذه الأمور شيئاً؛ ولهذا قيَّده بعضُ
العلماء بمن يطأ مثله. ومن تُوطأ مثلها، أي: تشتهي (3). والذي يطأ مثله من الرجال هو من له عشر سنوات، والتي تُوطأ مثلُها من النِّساء هي من تم لها تسعُ سنوات، فعلى هذا يكون الحُكم معلَّقاً بمن هو محلُّ الشَّهوة، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الحُكم إِذا عُلِّق على وصف فلا بُدَّ أن يوجد محلٌّ قابلٌ لهذا الوصف.
واختلف أهل العلم في هذا النَّاقض على أقوال:
القول الأول: ـ وهو المذهبُ ـ أن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء (4).
واستدلُّوا:
بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وفي قراءة سَبعيَّة: «أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ» (5). والمسُّ واللمس معناهما واحد، وهو الجسُّ باليد أو بغيرها، فيكون مسُّ المرأة ناقضاً للوُضُوء …..
فإن قيل الآية ليس فيها قيدُ الشَّهوة، إذ لم يقل الله «أو لامستم النساء بشهوة»، فالجواب: أن مظنَّةَ الحدث هو لمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي من الليل، وكانت عائشةُ رضي الله عنها تمدُّ رجليها بين يديه، فإِذا أراد السُّجود غمزها فكفّتْ رجليها (6)، ولو كان مجردُ اللَّمس ناقضاً لانتقض وضوءُ النبيِّ ﷺ واستأنفَ الصَّلاة.
ولأن إيجابَ الوُضُوء بمجرد المسِّ فيه مشقَّةٌ عظيمة، إذ قلَّ من يسلمُ منه، ولا سيَّما إِذا كان الإِنسان عنده أمٌّ كبيرةٌ، أو ابنةٌ عمياء وأمسك بأيديهما للإِعانة أو الدِّلالة. وما كان فيه حرج ومشقَّةٌ فإِنه منفيٌّ شرعاً.
القول الثَّاني: أنه ينقضُ مطلقاً، ولو بغير شهوة، أو قصد (7).
واستدلُّوا: بعموم الآية.
وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرَّسول ﷺ كان يمسُّها بظُفره، والظُّفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدَّليل إِذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به، وفي هذا الجواب نَظَر، وهذا ليس بصريح.
القول الثَّالث: أنه لا ينقض مسُّ المرأة مطلقاً، ولو الفرج بالفرج، ولو بشهوة (٥٢٧).
واستدلُّوا:
١ – حديث عائشةَ أن النبيَّ ﷺ قَبَّلَ بعضَ نسائه، ثم خرج إلى الصَّلاة، ولم يتوضَّأ (8)، حَدَّثت به ابن اختها عروةَ بن الزبير فقال: ما أظنُّ المرأةَ إِلا أنت، فضحكت. 1/289
(١) انظر: «الإقناع» (١/ ٥٩)، «منتهى الإرادات» (١/ ٢٥).
(٢) انظر: «المجموع شرح المهذب» (٢/ ٢٨).
(4) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢).
(5) قرأ بها: حمزة، والكسائي، وخلف. انظر: «إِتحاف فضلاء البشر» للبنَّا (١/ ٥٣١)
(6) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة على الفراش، رقم (٣٨٢)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الاعتراض بين يدي المصلي، رقم (٥١٢).
(8) وقال ابن تيمية: «إسناه جيد». «شرح العمدة» (١/ ٣١٥).
