الدروس الدعوية المتعلقة بالمعاملات والأخلاق في غزوة بني قريظة ….. د. ناجي بن وقدان

 

 

 

لم تكن المعاملات في الإسلام بعيدة عن ملاحظة الجانب الأخلاقي ، فلقد ارتبطت المعاملات في حياة الأمة بالأخلاق ارتباطا وثيقا ، فظهرت المعاملات المميزة والسليمة من الغش والتدليس والخداع والكذب والنفاق والغدر والخيانة ، فكانت دلالة واضحة على سمو الأخلاق الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة .

وفي غزوة بني قريظة تجلت أخلاق الإسلام ومعاملاته الطيبة التي دعا الأمة إليها ، والتي جاء به القرآن الكريم وتمثلت في مقام النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد طبقها على أرض الواقع فكان مثالا يقتدى بهr ، وكان في خلقه قرآنا يمشي على الأرض ، ولقد امتدحه الله وأثبت له ذلك في الكتاب الكريم بقوله { وإنك لعلى خلق عظيم }واستقى الصحابة الكرام منه هذا الخلق النبيل فكانوا مثالا حيا يحتذى به في المعاملات وفي كل شئون الحياة.وفي المجال الدعوي تتجلى لنا الكثير من الدروس في المعاملات والأخلاق لنستفيد منها جميعا ، ويفيد منها كل داعية إلى الله خلال مسيرته الدعوية ، لما لها من الأثر الفعال في التأثير على المدعوين ، فيحصل المقصود بإذن الله من هداية الناس واستقامتهم على دين الله عز وجل.فالنفس البشرية مجبولة على محبة كل خلق كريم وعلى كل تعامل قويم ، وتميل دائما إلى كل محسن إليها بقول أو فعل.

الدرس الأول: الأناة وعدم الاستعجال عند سماع الأخبار ، وهذا مما دعا إليه الإسلام ، فالتروي والتؤدة والأناة من صفات المؤمنين ، بل هي مما يحبه الله ورسوله فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r للأشج أشج عبد القيس( إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ) رواه مسلم ، وفي غزوة بني قريظة لم يستعجل النبي عليه الصلاة والسلام في تصديق ما جاءه من خبر نقض يهود بني قريظة للعهد والميثاق ، يريد أن يؤسس منهجا خلقيا تسير عليه أمته من بعده وهو منهج الأناة والتثبت حتى لا ينتج من بعض التصرفات من العواقب مالم يكن في الحسبان ، فأرسل إليهم أربعة من أصحابه وهم سعد بن معاذ بن النعمان سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم سيد الخزرج ومعهما عبدالله بن رواحة أخو بني الحارث و خوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف ، ليتأكدوا له من صحة الخبر فوجدوا الخبر صحيحاً وسمعوهم يقولون ” من محمد لا عهد بيننا وبينه ولاعقد”[سيرة ابن هشام] ولهذا كان غزوهم وعقويتهم التي باؤا بها على يقين ودراية مما أحدثوه من الغدر والخيانة ، وهذا هو منهج القرآن الكريم ، فإن الله أمر عباده المؤمنين بالتثبت والتروي والتأكد من صحة ما ينقل من العلوم والأخبار ، حتى لا يقعوا في تصرف ينتج عنه مالا تحمد عقباه من العداوة والبغضاء والنتقاطع والتدابر ويضر بالإسلام والمسلمين ، مما يحصل معه الندامة والأسى والحسرة فقال عز وجل ( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [سورة الحجرات] ومن هذا الدرس نستفيد أنه يجب على كل من سلك مسلك الدعوة إلى الله ، أن يتأنى ويتبين ويتأكد من صحة ما ينقل حوله من الأخبار وخصوصا فيما يتعلق بالقضايا الهامة والحساسة لأمة الإسلام ، أو ما يسمى بالقضايا الكبرى أو المصيرية ، وأن يتحرى مصادرها وينابيعها الأصلية ، وعلى وجه الخصوص في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الأقاويل والأراجيف والأخبار الملفقة التي لا تمس الحقيقة بصلة، ولا طائل من ورائها سوى القلاقل والتلاعب بحياة الأمة ودينها ومدخراتها ، وإذهاب قوتها وهيبتها في نظر أعدائها ، وإعمال الصراعات والمناحرات في داخلها وبين أفرادها ، وذاك مما يفككها ويخلخل صفوفها ويطمع الأعداء فيها.والداعية إلى الله يكون ذاك الداعية الكيس الفطن الذي يحرص دائما على تماسك وحدة أمته ، وحفظ كيان مجتمعه من التصدع والإنهيار ، فما الدعوة إلى الله إلا جمع للكلمة ونشر للدين ، ودعوة إلى الحق الذي جاءت به الأنبياء والرسل ، مدبجة بدباج الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الحسن المثمر الذي يوصل إلى الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من عند الله تبارك وتعالى.

الدرس الثاني: خلق الوفاء في التعامل مع الآخرين ، والوفاء من شيم الكرام ، وأوفى البشرية على الإطلاق هو نبينا محمدr فكل خلق كريم هو من سجيته وطبعه ، وقد رباه الله عز وجل على كل خلق عظيم ، إن الوفاء من الأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، وهوصفة من صفات النفوس الشريفة، يعظم في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون ، فعن أنس بن مالكt قال ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه و سلم إلا قال : (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)[رواه أحمد] إن مما تحلى به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، من الأخلاق الفاضلة ، والشمائل الطيبة ، الوفاء بالعهد، وأداء الحقوق لأصحابها ، وعدم الغدر ، امتثالاً لأمر الله في كتابه العزيز حيث قال (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [سورة المائدة] وقوله عز وجل( وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) [سورة الأنعام]  وتخلق الرسول r  بهذا الخلق الكريم ظاهر بيّن ، سواء في تعامله مع ربه جل وعلا ، أو في تعامله مع أزواجه ، أو أصحابه ، أو حتى مع أعدائه ، ففي تعامله مع ربه كان  r  وفياً أميناً ، فقام بالطاعة والعبادة خير قيام ، وقام بتبليغ رسالة ربه بكل أمانة ووفاء ، فبيّن للناس دين الله القويم ، وهداهم إلى صراطه المستقيم ، وفق ما جاءه من الله ، وأمره به (وأنزلنا إليك الذكر لتبين لهم ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)[سورة النحل] وكان وفياً مع زوجاته ، فحفظ لخديجة رضي الله عنها مواقفها العظيمة ، وبذلها السخي ، وعقلها الراجح ، وتضحياتها المتعددة ، حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها ، وكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ، ويصل أقرباءها ، ويحسن إلى صديقاتها ، وهذا كله وفاءاً لها رضي الله عنها ، وكان وفياً لأقاربه ، فلم ينس مواقف عمه أبي طالب من تربيته وهو في الثامنة من عمره ، ورعايته له ، فكان حريصاً على هدايته قبل موته ، ويستغفر له بعد موته حتى نهي عن ذلك ، وكان من وفائه لأصحابه موقفه مع حاطب بن أبي بلتعة مع ما بدر منه حين أفشى سر الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام في أشد المواقف خطورة ، حيث كتب إلى قريش يخبرها بمقدم رسول الله وجيشه، فعفى عنه الرسول r  ، وفاءاً لأهل بدر ، وقال : ( إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )[متفق عليه] أما وفاؤه لأعدائه فظاهر وبين فعن حذيفة بن اليمان قال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل ، فأخذنا كفار قريش ، قالوا : إنكم تريدون محمدا ، فقلنا : ما نريده ، ما نريد إلا المدينة ، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ، ولا نقاتل معه ، فأتينا رسول الله r  فأخبرناه الخبر ، فقال : ( انصرفا ، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)[رواه مسلم] وعدّ عليه الصلاة والسلام نقض العهد ، وإخلاف الوعد من علامات المنافقين ، فقال : (آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان)[رواه البخاري].

وفي غزوة بني قريظة ، تتجلى معاني الوفاء ، وذلك من خلال بعض المواقف في هذه الغزوة ومنها:

أولا:وفاء الرسول r والمسلمون بالعهد والميثاق في الوثيقة المبرمة بينهم وبين يهود بني قريظة ، واستمر الأمر كذلك دون إخلال من المسلمين ، حتى تم النقض والخيانة من جانب يهود بني قريظة حينما تكالبت جحافل الكفر من قريش وغطفان وغيرهم على النبي r والمسلمون بالمدينة النبوية ، وانحاز بنو قريظة مع الغزاة ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين من العهد .

ثانيا: وفاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه من الأوس صباح نزول بني قريظة على حكمه عندما شفعوا في مواليهم بني قريظة حيث جعل الحكم إلى رجل منهم وهو سعد بن معاذt الذي حكم فيهم بحكم الله ورسوله ولم تؤثر فيه العاطفة القومية ولا شفاعة قومه في مواليهم ، ولهذا رضيت نفوسهم وقبلوا بالتحكيم ، فجمع الله لرسوله بين الوفاء لصحابته ورضاهم بما اقترح عليهم ، وهذا من أعظم الوفاء وأجمله.

ثالثا:وفاء الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه للرسول عليه الصلاة والسلام ولهذا الدين في التضحية والفداء والغيرة والوفاء ، فالصحابة رضي الله عنهم أهل وفاء بالعهد للرسول عليه الصلاة والسلام بنصرته ونصرة هذا الدين ، وبذل النفس والنفيس من الأموال والعتاد في سبيل التمكين لهذا الدين وأهله.ووفاء هذا الصحابي يتمثل في غيرته على رسول الله r وعلى عرضه حينما قدمه عليه الصلاة والسلام إلى بني قريظة فسمع منهم من السب والشتم لرسول الله r وأزواجه ، فثارت غيرته ، واشتد غضبه وفاء لله ورسوله ، وعاد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال ( لا عليك أن تدنوا من هؤلاء الأخباث يا رسول الله ، قال :لم ؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم.قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا)[سيرة ابن هشام] .

رابعا:أيضا وفاء الصحابي الجليل محمد بن مسلمة t تجاه عمرو بن سعدى القرضي الذي كان رابع من أسلموا وحسن إسلامهم في تلك الغزوة  ، إذ أن عمرو بن سعدى قد وفى بعهده وميثاقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين وأبى أن يدخل مع بني قريظة في الخيانة والغدر وقال “لا أغدر محمدا أبدا”[كتاب المغازي] ولذلك قام محمد بن مسلمة بدور الوفاء ورد الجميل وحسن المعاملة عندما كان قائدا لحرس رسول الله  r ليلة نزول بني قريظة على حكم رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث مر به عمرو بن سعدى قال محمد بن مسلمة  اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام ، وخلى سبيله فذهب على وجهه حتى أتى مسجد رسول الله r فبات به تلك الليلة ، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومنا هذا ، فلما ذكر لرسول الله عليه الصلاة والسلام قال:( ذاك رجل نجاه الله بوفائه)[14].

خامسا: أيضا أن الوفاء عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وعند أصحابه لم يقتصر على الوفاء مع المسلمين بل تعدى ذلك إلى الوفاء مع الأعداء وغير المسلمين ، ومن ذلك وفاء الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماس  مع اليهودي القرضي الزَبير بن باطا أحد أعيان بني قريظة وكان هذا الزَبير قد مَنّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ، وذلك في حرب بٌعاث ، إذ قد جز ناصيته وخلى سبيله ، فجاء ثابت وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبدالرحمن هل تعرفني؟قال وهل يجهل مثلي مثلك ؟قال إني أردت أن أجزيك بيدك عندي ، قال الزًبير إن الكريم يجزي الكريم.فأتى ثابت النبي r فقال يا رسول الله إنه كان للزًبير بن باطا علىّ منّة ، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه ، فقال رسول الله r “هو لك”فأتاه فقال له:إن رسول الله r قد وهب لي دمك فهو لك ، فقال الزًبير :شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟فأتى ثابت رسول الله r فقال:بأبي أنت وأمي يا رسول الله هب لي اهله وولده ، قال:”هم لك” فأتاه فقال له:قد وهب لي رسول الله r أهلك وولدك فهم لك ، فقال أهل بيت في الحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟فأتى ثابت رسول الله r فقال يا رسول الله ماله ، قال “هو لك”فأتاه ثابت فقال قد أعطاني رسول الله r مالك فهو لك ، قال لثابت بن قيس:ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عنارى الحي كعب بن أسد؟ قال ثابت قتل. قال فما فعل سيد الحاضر والبادي حيى بن أخطب؟ قال قتل.قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزّال بن سموءل؟قال:قتل.قال فما فعل المجلسان؟يعني بني كعب بن قريظة ، وبني عمرو بن قريظة ؟قال:ذهبوا قتلوا.قال فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير.فما أنا بصابر لله فتلة[تاريخ الطبري] دلو ناضح حتى ألقى الأحبة ، فقدمه ثابت فضرب عنقه.ولما بلغ أبو بكر t قوله:”ألقى الأحبة” قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا.والشاهد من ذلك الوفاء الجميل من هذ الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماسt تجاه ذلك اليهودي ، وكم لقي ثابت من العناء من الذهاب والإياب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في سبيل إعتاق هذا العاتي لعل الله أن يهديه للإسلام ولكنه أبى إلا السير في ركاب الكفر إلى النار والعياذ بالله.والوفاء بالعهد وحسن المعاملة فن من فنون الدعوة إلى الله عز وجل ، وضرب من ضروبها ، ينتهجه الداعية إلى الله في دعوته للناس حتى وهو يدعوا الكافرين إلى الإسلام ، فإن الوفاء خلق له تأثير عجيب في النفوس البشرية ، مما يجعلها تتقبل الداعي وما يدعوا إليه من الحق .

الدرس الثالث: خلق التواضع ، الذي جبل عليه نبينا r لا مع الصحابة والمسلمين فحسب ، بل حتى مع الأعداء وحال الحروب ، ومن ذلك تواضعه عليه الصلاة والسلام مع قريش في فتح مكة،وكذلك مع الغادرين والخائنين والناكثين للعهد ، يهود بني قريظة وذلك عندما طلبوا منه التفاوض معهم مع أنهم لايستحقون ذلك لشنيع ما فعلوا وفي تلك الظروف العصيبة التي مر بها عليه الصلاة والسلام والمسلمون ، ومع ذلك كله قبلr بالمفاوضة ليعلموا أن دين الإسلام دين السماحة والعدل وكل خلق كريم ، وذلك عندما اشتدت حيرتهم ، وعظمت مخاوفهم انزلوا رجلا منهم وهو شاس بن قيس ليفاوض الرسول r في أن يعاملهم معاملة بني النضير ، بحيث يخرجون بأموالهم ونسائهم وأولادهم ، ويتركون السلاح ، فأبى الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك ، فقال شاس تحقن دمائنا وتعطينا النساء والذرية ولا نأخذ من أموالنا شيئا فأبى عليه الصلاة والسلام ذلك إلا النزول على حكمه ، فعاودوا المفاوضة بطلب أبي لبابة ليستشيروه في الأمر فوافق عليه الصلاة والسلام على ذلك ، وهذا دليل على جم تواضعه وكرم جنابه عليه الصلاة والسلام ، وهذا درس لكل مسلم وكل داعية إلى الله على وجه الخصوص ، ليتأسى به ، ويتخذه قدوة في التواضع مع العباد في مسيرة الدعوة إلى الله حتى ينفع الله بدعوته ويكون لها طيب الأثر في النفوس والقلوب ، فالنفس البشرية بطبعها تحب من تواضع وأحسن إليها وكان سهلا هينا ولكنه في المقابل متمسك بمبادئه قائما بالحق لايخاف في الله لومة لائم.ومن ذلك تواضعه مع أصحابه في زيارة مريضهم كما فعل مع سعد بن معاذ ، ومواساة مصابهم ، ومساعدة محتاجهم وقبول شفاعاتهم في الناس وغير ذلك مما جاءت به السير من جميل تعامله ، وطيب تواضعه.

الدرس الرابع: خلق الحياء ، ذلك الخلق العظيم الذي اتصف به الرسول r وأصحابه ، ويتحلى به المؤمنون في حياتهم تأسيا برسول الله عليه الصلاة والسلام فلقد كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ، فعن أبي سعيد الخدريt قال (كان رسول الله r أشد حياءً من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه). والمسلم عفيف حييي والحياء خلق له, والحياء من الأيمان والأيمان عقيدة المسلم وقوام حياته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهr  قال: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان )[متفق عليه] و كون الحياء من الإيمان أن كلا منهما داع إلى الخير صارف عن الشر مُبعد عنه, فالأيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي, والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق ذي الحق كما يمنع الحيي من فعل القبيح اتقاء الملامة, ومن هنا كان الحياء خيراَ, ولا يأتي إلا بخير كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ( الحياء لا يأتي إلا بخير )[متفق عليه].

وفي غزوة بني قريظة ، تجلت معاني الحياء في نفوس صحابة رسول الله r وكان حياءهم من الله أشد وأعظم في نفوسهم ، ثم الحياء من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، والشاهد على ذلك:

أولا: قصة الصحابي الجليل أبو لبابة بن عبد المنذر t عندما طلبت يهود بني قريظة من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرسله إليهم ليستشيروه في مسألة النزول على حكم الله ورسوله الذي حكم به سعد بن معاذ t ، حيث أشار عليهم بالنزول على الحكم ، وأشار إلى حلقه أي أنه الذبح ، وعندها استدرك خطأه ورأى أنه خان الله ورسوله إذ أفشى سرا من أسرار الحرب ، وهنا تستيقظ معاني الحياء والخجل في قلبه المملوء بالإيمان ، ويستحي أن يعود إلى رسول الله r وينظر في وجهه بعد ما أحدثه من الذنب ، فيهيم على وجهه وقلبه مملوء من الأسى والندم ويأتي مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ويربط نفسه بالسارية أياما وليالي حتى نزلت توبة الله عليه من السماء ، ويفك رباطه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فما أعظمه من حياء وما اتقاه من حيي رضي الله عنه وأرضاه.

ثانيا: شاهد آخر لا يقل شأنا عن الشاهد الأول ليسطر لنا أروع الأمثال في الحياء ، وهو العالم الجهبذ ، والحكم الموفق ، والداع المجاب سعد بن معاذt حينما رضيت به الأوس حكما في بني قريظة ، وأتي به على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم ، فلما وصل قال رسول الله r “قوموا إلى سيدكم”فقاموا إليه وأنزلوه من على الدابة ، وقالوا له يا أبا عمرو إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ، فقال لهم سعد:عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا نعم ، وعلى من هنا؟يشير إلى الناحية التي فيها رسول الله r جالس ، وهو معرض عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إجلالا وتوقيرا ، وهذا هو شاهدنا من القصة ، أن إعراض سعد بن معاذt إنما هو إعراض حياء من النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا السلوك الحي منه ومن الصحابة الأجلاء يدل على مدى حبهم لله ولرسوله وتفانيهم في التوقير والحياء لله ورسوله ، وهذا النوع من الخلق والسلوك الرفيع مما حث عليه الكتاب والسنة ، ويتصف به كل مسلم وكل داعية إلى الله تعالى ، فكلما كان الداعية حييا وصاحب خلق عظيم في تعامله مع الناس كان ذلك أدعي لقبول دعوته والتأثر بسلوكه ، وتصديق كل ما يأتي به من دعوة الإسلام ، فكم من داخل في الإسلام كان السبب في دخوله فيه هو تمثل الداعية إليه بخلق الحياء والمعاملة الحسنة والقدوة الصالحة ، وكم من امرء بلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله r يقول(إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)[رواه أبو داود] .

الدرس الخامس: خلق البشارة وحب الخير للناس ، وهذا مما يدخل السرور على النفوس ، وتتآلف معه القلوب ، إن التبشير بالخير والأمور السارة من آداب الإسلام العظيمة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يبشر في أمور الدين البشارة العامة ، وكذلك البشارة الخاصة ، والبشارة من البشر وهو السرور؛ لأنها تظهر طلاقة الوجه في الناس، وهم يتباشرون بذلك الأمر، أي: يبشر بعضهم بعضاً, والبِشارة إذا أطلقت فهي للبشارة بالخير, هذا هو الأصل, ويجوز استعمالها مقيدة في الشر,كقوله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم)[سورة ىل عمران] وقد جاء في الحديث  الصحيح عن عبادة بن الصامت t عن النبي r قال ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاء قالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذاك ،  ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه, وإن الكافر إذا حضره الموت بُشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه وكره لقاء الله وكره الله لقاءه)[رواه البخاري] فالآيات التي فيها التبشير أو البشارة بالعذاب الأليم للكفار كثيرة, واستعمال البشارة في الخير هو الأصل, وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، كقوله تعالى (فبشرناه بغلام حليم)[سورة الصافات] وقوله تعالى (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)[سورة هود] وبشرت مريم بكلمة من الله. والبشارات التي ذكرت في القرآن الكريم كثيرة ، والتبشير بالخير والشيء الطيب السار والأمر المفرح من السنة, وهو من الآداب الإسلامية العظيمة, فأما أعظم ما نبشر به المؤمن فهو البِشارة بما أعد الله له، قال الله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[سورة البقرة] والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبشر بالأمور الدينية كثيراً، فليس فقط لمن جاءه ولد أو مال أو هدايا أو نحو ذلك, بل كان r  كثيراً ما يبشر بالأمور الدينية, فعن أبي موسىt قال :كنت عند النبي  r وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتى النبي rرجل أعرابي فقال: (ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ -[قيل: إنه وعده وعدا خاصا، أو إنه وعده أن يعجل له نصيبه من الغنيمة] فقال له: “أبشر”، فقال له الأعرابي: قد أكثرت علي من “أبشر”  فأقبل الرسولr  على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: ” إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما” ، فقالا: قبلنا يا رسول الله, ثم دعا رسول اللهr  بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجّ فيه ثم قال: “إشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا”، فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله r , فنادتهما أم سلمة من وراء ستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما ، فأفضلا لها منه طائفة)[رواه البخاري] ولا شك أن هذا كان خيراً لهما من كل مال وغنيمة، ولكن الأعرابي لا يفقه.والقصص في هذا كثير جدا يطول المقام بذكره ، مما يبين ويثبت لنا عظم شأن البشارة ، هذا الخلق الجميل الذي أثبت أثرة الحسن في المعاملة مع الآخرين.

وفي غزوة بني قريظة تجلت لنا نماذج حية ،تظهر فيها البشارة ، حتى في خضم الحروب ومجابهة الأعداء ، ومن ذلك:

أولا: ما جاء في قصة أبي لبابة بن عبد المنذر t فيما بدر منه من ذنب في إفشاء سر من أسرار المسلمين لبني قريظة عنما طلبوه ليستشيروه في أمر النزول على حكم رسول اللهr  ، فلما استدرك أمره واستكشف خطأه ، انطلق على وجهه ، ولم يأتي رسول الله عليه الصلاة والسلام حياء منه وخجلا ، وأتى المسجد النبوي وارتبط بإحدى سواريه ، وأخذ على نفسه عهدا لايبرح مكانه حتى يتوب الله عليه ، كما عاهد الله أن لا يطأ ديار بني قريظة أبدا ، وفي سحر ليلة من ليالي ارتباطه ، تأتي البشارة من السماء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بتوبته ، فسمعت أم سلمة رضي الله عنها ضحكه ، فقالت له:مم تضحك يا رسول الله؟أضحك الله سنك ، قال:”تيب على أبي لبابة”قالت:أفلا أبشره يا رسول الله؟وكان الحجاب لم يضرب بعد على نساء النبيr والمؤمنين قال:”بلى”فقامت على باب حجرتها وقالت:يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك فثار الناس إليه ليطلقوه فقال:لا ، والله حتى يكون رسول اللهr هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.ومن هنا نعلم مدى الأثر الكبير الذي خلفته البشارة على النفوس والقلوب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام سُر وابتهج وامتلأ قلبه سعادة بتوبة الله على أبي لبابة ، وفرحت لذلك واستبشرت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، ثم تتابعت الفرحة والبشارة على أبي لبابة وبقية الصحابة ، فلله كم لهذه البشارة وغيرها من البشارات من مردود عظيم على النفوس والقلوب ، مما يوطئها لتقبل الدعوة إلى هذا الدين والقبول به .

ثانيا: بشارة الله للحبيب عليه الصلاة والسلام بإسلام ريحانة، التي حملها إليه الصحابي الجليل ثعلبة بن سعية t ، فإن ريحانة امرأة من بني قريظة اصطفاها النبي عليه الصلاة والسلام لنفسه قبل قسمة السبايا ، وعرض عليها الزواج ويضرب عليها الحجاب فأبت ، وقالت يا رسول الله اتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها ، وعرض عليها الإسلام فأبت إلا اليهودية ، فعزلها عليه الصلاة والسلام ووجد في نفسه لذلك من أمرها ، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال:” إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة”[رواه مسلم] فجاء فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك من أمرها ، فكانت عنده عليه الصلاة والسلام حتى توفي وهي في ملكه رضي الله عنها.والمستفاد للداعية إلى الله من هذا الدرس القيم ، أن يحرص على إدخال السرور على النفوس عن طريق البشارة وحب الخير للناس ، فإن لها عظيم الأثر في استجابة النفوس لما تدعى إليه من الحق ، وتذعن لما تؤمر به من الكتاب والسنة ، فإن الناس إذا أحبوا الداعية قبلوا منه ، وليس هناك أحب إلى النفوس مما تبشر به من بشائر الخير والفرح والسرور.

الدرس السادس: تجلي الخلق العظيم في معاملة الغادري والخائنين من يهود بني قريظة ، يتجلى ذلك في الحِلم والكرم المحمدي ، وقد كان الكرم المحمدي مضرب الأمثال،فقد كانr لا يرد سائلاً وهو يجد ما يعطيه ،فعن أنسt (أن رجلا سال النبي r غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال:أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر ، فقال أنس إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)[رواه مسلم] وحسبنا في الاستدلال على كرمه عليه الصلاة والسلام حديث بن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول اللهr أجود الناس وكان أجود ما يكون في في شهر رمضان،حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ،فكانr أجود من الريح المُرسلة)[رواه مسلم] وأما حلمه عليه الصلاة والسلام فقد كان ولا يزال مضرب الأمثال  ، والسنة الشريفة مملوءة بهذا النوع وغيره من السيرة العطرة ومن ذلك ما ما رواه أبو سعيد t قال بينا النبي r يقسم جاء عبدالله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يارسول الله فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه ، قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من  الدين كما يمرق السهم من الرمية)[رواه البخاري] والشاهد هنا هو حلمه عليه الصلاة والسلام وسعة صدره ودماثة خلقه وطيب نفسه ، ولم ينتقم منه و لم يأذن لأحد من أصحابه بذلك .

وفي غزوة بني قريظة ، تجلى حلمه وكرمه عليه الصلاة والسلام ، لا مع أصحابه والمسلمين فحسب بل أيضا مع أعدائه ، ومن ذلك:

أولا:عندما أتي بنباّش بن قيس من يهود بني قريظة ليضرب عنقه مع من سبقه من قومه ، وقد جابذ الذي جاء به حتى قاتله فدق الذي جاء به أنفه فأرعفه فقال رسول اللهr للذي جاء به:(لم صنعت به هذا؟أما كان في السيف كفاية؟ فقال يا رسول الله جابذني لأن يهرب ، فقال كذب والتوراة يا أبا القاسم ، ولو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتى أكون كأحدهم قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحسنوا إسارهم وقيلوهم واسقوهم حتى يبردوا فتقتلوا من بقي فلا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح – وكان يوما صائفا – فقيلوهم واسقوهم وأطعموهم)فلما أبردوا راح رسول الله r يقتل من بقي).

فما أسمى صفة الحلم وأحبها إلى القلوب وكم هي عظيمة هذه الصفة حتى جعلها الله عز وجل من علامات النبوة وبراهينها وما أروع الموقف الذي يتجلى فيه حلم النبوة فيهتدي به العقلاء إلى دين الله هداية قناعة ويقين ومحبة وفي قصة إسلام حبر اليهود زيد بن سعنة الطويلة التي رواها عبدالله بن سلامt دليل على ذلك حيث جاء فيها”… أتعرفني يا عمر ؟ قال : لا من أنت ؟ قلت : زيد بن سعنة قال : الحبر ؟ قلت : الحبر قال : فما دعاك أن فعلت برسول اللهr ما فعلت ، قلت له : يا عمر لم يكن له من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول اللهr حين نظرت إليه اثنين لم أخبرهما منه هل يسبق حلمه جهله و لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فقد اختبرتهما فاشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمدr نبيا و أشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمدr فقال عمرt: أو على بعضهم فإنك لا تسعهم قلت : أو على بعضهم فرجع زيد إلى رسول اللهr فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و آمن به و صدقه و بايعه و شهد معه مشاهد كثيرة ثم توفي                                                                                                                                                                                                                                     زيد في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر و رحم الله زيدا”[رواه الحاكم] فأي رحمة وأي حلم بشري أعلى من فعله عليه الصلاة والسلام حتى مع الأعداء والغادرين والناقضين للعهد والميثاق ، وذلك ليربي أمته والدعاة إلى هديه على هذه الكمالات من الصفات والخصائص العظيمة لتكون هداية للحيارى ونورا للبرايا للدخول في كنف هذا الدين العظيم.

ثانيا: قصة الزَبير بن باطا عندما أبى إلا القتل واللحاق بقومه ، مع أن الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماس قد كان سببا في نجاته من القتل عندما شفع فيه وفي ماله وأبنائه ونسائه ، حيث قبل النبي عليه الصلاة والسلام شفاعته وهذا من حلمه وكرمه وحبه لأصحابه ورفعته لشأنهم وقدرهم في قبول شفاعاتهم ،ولكن الزًبير هذا أبى إلا العناد والقتل والإصرار على الكفر ، ولذلك قال قبل قتله لثابت بن قيس انظر إلى امرأتي وولدي فإنهم جزعوا من الموت فاطلب إلى صاحبك أن يطلقهم وأن يرد إليهم أموالهم ، فطلب ثابت بن قيس من النبيr أن يرد إليهم أموالهم فرد عليه الصلاة والسلام عليهم الأموال من النخيل والإبل والرثة إلا الحلقة فإنه لم يردها عليهم فكانوا مع آل ثابت بن قيس بن شماس[كتاب المغازي] ، وهذا والله من عظيم الصفح والحلم والعفو والرحمة التي جبل عليها هذا النبي الكريم ، وهي دليل قاطع يُرد به على كل من شكك في سيرته وفي تعامله مع الناس عامة ومع يهود بني قريظة خاصة.

ثالثا: قصة أبي لبابةt عندما أفشى سرا من أسرار المسلمين ورأى أنه خان الله ورسوله ووقع في ذنب عظيم ، كان حلم الرسول عليه الصلاة والسلام وعفوه أوسع مما عمل أبو لبابة حيث قال الرسول عليه الصلاة والسلام “أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، فأما إذ قد فعل ما فعل ، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه)[الدرر في اختصار المغازي والسير] وهذه الصفات العظيمة أي صفات الحلم والكرم التي هي من أسماء الله وصفاته فهو جل وعلا الحليم  الكريم ، صفات اكتسبت مكانتها وعلو شأنها من ارتباطها بالله عز وجل ، يجب أن يتصف بها كل داعية إلى الله وإلى دينه وشريعته ، فيحلم على الجاهل ، ويعفوا عن المسيء ، ويكرم المحسن ، ويبتعد عن حظوظ النفس وحب الإنتقام لها ، فالنبيr لم يكن لينتصر لنفسه ، ولكنه يغضب وينتصر إذا انتهكت حرمات الله ، وبهذا تأخذ الدعوة والداعية طريقهما إلى النجاح وتحقيق الأهداف من انتشار دين الله ودخول الناس فيه عن قناعة ويقين ، فمتى ما كان الداعية على هذا المنهج العظيم ، عظمت مكانته ومرتبته في نفوس الناس وقلوبهم ، فلا يترددون في قبول ما يدعوا إليه من الحق ، ويجتمعون معه على الخير.

الدرس السابع: خلق العدل في المعاملات ، هذا الخلق العظيم ، الذي حققه دين الإسلام للبشرية ، وجعله أساسا تقوم عليه حقوق الناس ومعاملاتهم ، وهو من الأخلاق التي تدل على سماحة الإسلام ، فالإسلام يدعو إلى العدل وذلك لأن العدل إذا وجد في المجتمع وجدت السماحة قال ابن حزم: (العدل هو أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه، والعدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم، إذا رأى من يريد ظلمه دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه ولا ترى أحداً يذم العدل فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين)[الأخلاق والسير في مداواة النفوس ] ، وقد دلت نصوص القرآن الكريم على أهمية العدل وفضله، وعلى ضرورة وجوده بين الناس وقد أمر الله تعالى به وحث  عليه في أكثر من موضع في الكتاب العزيز ومن ذلك قوله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) [سورة النحل] وقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا المانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)[سورة النساء] أما من السنَّة النبوية المطهرة فعن أبي هريرةt قال:   قال رسول الله r ( كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع الشمس قال تعدل بين الإثنين صدقة وتعين الرجل على دابته تحمله عليها أو ترفع له متاعه عليها صدقة وقال الكلمة الطيبة صدقة وقال كل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة)[رواه مسلم] وربط عدل الإنسان في الدنيا بمصيره في الآخرة، حيث يوضع الميزان ويحاسب الناس بالقسطاس المستقيم، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الله قد خص أهل العدل في الدنيا بإعلاء شأنهم في الآخرة، وتقريبهم منه سبحانه ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصt قال:قال رسول اللهr  (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)[رواه مسلم] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

وفي غزوة بني قريظة تجلت معان العدل في وقائع كثيرة ، ومن ذلك:

أولا:عدله عليه الصلاة والسلام في معاقبة بني قريظة وغزوهم ، فإنهم أهل لذلك العقاب ، ومستوجبون له ، وذلك إزاء خيانتهم وغدرهم برسول الله r وبالمسلمين في أحلك الضروف التي يمرون بها في مواجهة فلول وأحلاف الأحزاب ، وجراء ما اقترفوه من تواطىء وانحياز مع الأعداء على المسلمين ، فكان قتل رجالهم وسبي نساءهم وذراريهم ، وتقسيم أموالهم ، وسلب سلاحهم في غاية العدل والإنصاف ، وهذا من الخلق الذي فُطر عليه نبينا عليه الصلاة والسلام ، فهو إمام العادلين ، وقدوة المنصفين ،وخليل    المقسطين.

ثانيا: تحلي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بهذا الخلق النبيل في معاملاتهم فيما بينهم ، وفي تعاملهم مع الأعداء ، وفي حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذt على بني قريظة دليل ثابت وحجة قائمة على عدله وإنصافه الذي وافق عدل الله ورسوله ، ولم تأخذه فيهم قرابة ولا حلف لما علم منهم خيانة لله ورسوله والمؤمنين ، مع كثرة المطالب والشفاعات والمؤثرات إلا أنه لم تأخذه في الله لومة لائم ، وكيف لا يكون وهو الذي تربى مع الصحب الكرام في مدرسة النبوة ، ومشكاة الخير والعدل ، رباهم الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي قال ( وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)[رواه مسلم] .

ثالثا: ما قاله كعب بن أسد لبني قريظة مذكرا إياهم بما قاله ابن خراش من كلمة عدل وحق ، ناصحا بها بني قريظة حيث قال:”أتذكرون ما قال لكم ابن خراش حين قدم عليكم فقال:تركت الخمر والخمير والتأمير وجئت إلى السقاء والتمر والشعير ، قالوا وما ذلك؟قال:يخرج من هذه القرية نبي ، فإن خرج وأنا حي اتبعته ونصرته فإن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه فاتبعوه وكونوا أنصاره وأولياءه وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول والآخر”[السيرة الحلبية باب غزوة بني قريظة] ولما أتي بكعب بن أسد للنبيr ليقتله قال له عليه الصلاة والسلام “ما انتفعتم بنصح ابن خراش وكان مصدقا بي أما أمركم باتباعي ، وإن رأيتموني تقرئوني منه السلام”؟ قال بلى والتوراة يا أبا القاسم ، ولولا أن تعيرني اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك ، ولكني على دين اليهود ، قال رسول الله r “قدمه فاضرب عنقه”[كتاب المغازي] فقدمه فضرب عنقه.

قلت والعدل بمفهومه الشامل الواسع من الأخلاق المهمة في الدعوة إلى الله تعالى لأنه يدل على سماحة الإسلام وبره وقسطه، وبالعدل ينطلق الدعاة إلى الله يبشرون الناس بدين الله، قال الإمام الماوردي: “إن مما تصلح به حال الدنيا قاعدة العدل الشامل الذي يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال ويكبر معه النسل ويأمن به السلطان. وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور، لأنه ليس يقف على حد، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل، والعدل أمن عام تطمئن إليه النفوس وتنتشر فيه الهمم، ويسكن فيه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ويحجزهم عن تصرفهم والأمن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما ليس بعدل”.[أدب الدنيا والدين]

الدرس الثامن: خلق الرحمة والرأفة بالعباد ، وقد جمع الله سبحانه وتعالى في نبيّه محمدr  صفات الجمال والكمال البشري ، وتألّقت روحـه الطاهرة بعظيم الشمائـل والخصال ، وكريم الصفات والأفعال ، حتى أبهرت سيرته القريب والبعيد ، وتملكت هيبتهُ العدوّ والصديق ، وقد صوّر لنا هذه المشاعر الصحابي الجليل حسان بن ثابتt  أبلغ تصوير حينما قال :

وأجمل منك لم ترَ قط عيني +      وأكمل منك لم تلد النساء

خُلقت مبرّأً من كل عيب+          كأنك قد خُلقت كما تشاء

فمن سمات الكمال التي تحلّى بهاr خلق الرحمة والرأفة بالغير ، كيف لا ؟ وهو المبعوث رحمة للعالمين ، فقد وهبه الله قلبا رحيما، يرق للضعيف ، ويحنّ على المسكين ، ويعطف على الخلق أجمعين ، حتى صارت الرحمة له سجيّة ، فشملت الصغير والكبير ، والقريب والبعيد ، والمؤمن والكافر ، والذكر والأنثى فنال بذلك رحمة الله تعالى ، فالراحمون يرحمهم الرحمن. وقد تجلّت رحمته عليه الصلاة والسلام في عددٍ من المظاهر والمواقف ، من سيرته الشريفة ، في أسفاره وغزواته ، واستقى أصحابه منه هذه الخصال الكريمة في حياتهم ومعاملاتهم مع الخلق ،

وفي غزوة بني قريظة تجلت هذه الصفة العظيمة في كثير من المواقف والوقائع ، ومن ذلك:

أولا:رحمته عليه الصلاة والسلام بالنساء والأطفال من بني قريظة حيث لم يقتل أو يؤذي منهم أحدا إذ لا ذنب لهم فيما وقع ، ولم يقتل سوى الرجال ومن أنبت واحتلم من الغلمان ، ولم يقتل من النساء سوى المرأة التي طرحت الرحا على الصحابي الجليل خلاد بن سويد وقت الحصار ، فقتلها حدا من حدود الله ، ولم يؤثر عنه أنه قتل غيرها من نساء بني قريظة ، وهذه رحمة عظيمة تحلى بها عليه الصلاة والسلام فكان بها وبغيرها من الصفات الجميلة أسوة حسنة وقدوة حية للعالمين ، ومن رحمته عليه الصلاة والسلام بمن لا ذنب لهم من النساء والأطفال أنه نهى عن قتلهم فعن عبدالله (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول اللهr مقتولة فأنكر عليه الصلاة والسلام قتل النساء والصبيان)[رواه أبو داود] .

ثانيا: رحمته عليه الصلاة والسلام بصحابته الذين اختلفوا في آداء صلاة العصر ، بناء على ما وصلت إليه أفهامهم في مقصد النبي عليه الصلاة والسلام من الأمر ، فمنهم من فهم من ذلك أن المراد التعجيل ، ومنهم من أخذ بظاهر النص ففهم أن المراد آدائها في بني قريظة ، فلم يعنف أحدا منهم ولم يزجره ولم يامر بالإعادة ، لعلمه أن الكل مجتهد ، وهذا من خلق اللطف والرحمة الذي جبل عليه .

ثالثا: اشتداد وجده على موت سعد بن معاذ ، وهذا من الرحمة ورقة القلب التي وهبها الله له في مثل هذه المواطن المحزنة ، ففقد سعدا سيفا من سيوف الدين أمر مؤلم ومحزن على الإسلام والمسلمين.وقد ذكر الواقدي رحمه الله أن النبيr زار سعدا قبل موته فجلس عند رأسه ووضع رأسه في حجره ثم قال:(اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك وصدق رسولك ، وقضى الذي عليه فاقبض روحه بخير ما تقبض فيه أرواح الخلق)[كتاب المغازي] ففتح سعد عينيه حين سمع النبي عليه الصلاة والسلام فقال:السلام عليك يا رسول الله أشهد أنك قد بلغت رسالته،ودعائه عليه الصلاة والسلام لسعد دليل على رحمته وشفقته بأصحابه وأمته،ولما بكت أم سعد سعدا قال لها عمر بن الخطابt مهلا يا أم سعد لا تذكري سعدا فقال له النبيr “دعها يا عمر فكل باكية مكثرة إلا أم سعد ، ما قالت من خير فلم تكذب”[كتاب المغازي] ، ولما دفن سعد ووضع في لحده ، وقف النبي عليه الصلاة والسلام على قبر فتغير وجهه وسبح ثلاثا فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ، ثم كبر ثلاثا فكبر الجميع حتى ارتج البقيع ، فلما سئل عن ذلك قال:” تضايق على صاحبكم قبره وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد ثم فرج الله عنه”[رواه أحمد] ، ومن ذلك يستفاد أن الداعية إلى الله أولى بهذا الخلق العظيم من غيره ، وإلا فالكل مطالب بالتأسي به عليه الصلاة والسلام ، ولكن الدعاة إلى الله أهل منهج دعوي يدعون الناس إلى الله عز وجل ، وهم خلف للمبعوث رحمة للعالمين ، يتخلقون بخلق الرحمة والشفقة على العباد ويستنقذونهم من عذاب الله ويقربونهم من رحمته ، ويدلونهم ويرشدونهم إلى كل عمل يستجلبون به رضا الله وفضله وعفوه ورحمته ، وبهذا تنفع دعوتهم وتتأثر القلوب والنفوس بهم فتنساق إلى دين الله وشريعته على يقين وبصيرة.

الدرس التاسع: خلق الصدق مع الله ثم مع الخلق ، ورسول اللهr أصدق الخلق وأبرهم فهو الصادق الأمين قبل الرسالة وبعدها ، الصدق خلق إسلامي جميل اتفق العقلاء على مدحه وذم نقيضه وهو الكذب وكفى بالصدق مدحاً أن يدعيه من ليس أهله وكفى بالكذب ذماً أن يتبرأ منه من هو أهله.وقد أرشدنا ربنا إلى التمسك بهذا الخلق الطيب في كتابه الكريم وفي سنة رسوله العظيم صلوات الله عليه وسلامه في نصوص أكثر من أن تعد فقد أمر ربنا في كتابه الكريم في أكثر من آية بالصدق ومدح الصادقين ووعدهم بالخير الكبير في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)[سورة التوبة] وقال عز وجل (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)[سورة المائدة] وعن عبدالله t عن النبيr قال:( إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)[متفق عليه] والنصوص من الكتاب والسنة في هذا المقام كثيرة جدا ، وبالنظر إلى حال السلف من الصحابة والتابعين نجد أنهم أصدق البشر بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام مع الله ثم مع عباده في القول والعمل والسر والعلن ، وقد امتدحهم الله في القرآن الكريم بصدقهم معه في الجهاد وونصرة الدين وفي الطاعة والعبادة ، لأنهم بذلوا كل غال ونفيس لنصرة هذا الدين والذود عن حياضه ونشره في كل مكان ولذلك يقول الله عز وجل في وصفهم وبيان صدقهم وإخلاصهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)[سورة الأحزاب] وفي الغزوات التي غزوها مع النبيr وبعده كانوا أصدق عند اللقاء ، أشداء على الأعداء ، يحملون أرواحهم على أكفهم في سبيل الله .

وفي غزوة بني قريظة ، ظهرت معاني الصدق والإخلاص عند صحابة رسول اللهr ومن ذلك:

أولاصدقهم وإخلاصهم في إجابة النداء ولا سيما بعد عناء ومكابدة لفلول الطغيان ، وجحافل الأحزاب ، ومعاناة الفقر وضيق الحال وذات اليد ، وقلة المال والعتاد ، وسرعان ما يأتي الفرج من الله ويندحر الكفر وأهله ، وترتاح كتيبة الإيمان وتتنفس الصعداء ، إلا ويأتي النداء على الفور من الله ورسوله والنفوس والأبدان بأمس الحاجة إلى الراحة واسترداد القوة والنفس ، ولكنهم آثروا الآجل على العاجل ، وحب الآخرة على حب الدنيا ، وحب الله ورسوله على حب النفس والأهل والمال والولد والناس أجمعين ، فقويت عزائمهم ، وارتفعت معنوياتهم ، وأجابوا النداء بالزحف إلى بني قريظة ، تطلعا إلى نيل الشهادة في سبيل الله .

ثانيا: مقولة الصحابي الجليل علي بن أبي طالبt عندما رفض يهود بني قريظة النزول من الحصن على الحكم ، حيث قال ” والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأقتحمن حصنهم”فصاح اليهود لما رأوا الصلابة في القوم ، والصدق في القول واللقاء ،والإخلاص في طلب الشهادة ، وقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وفي هذا برهان على خلق الصدق والإخلاص الذي تمتع به هذا الصحابي الجليل.

ثالثا: صدق سعد بن معاذt في الدعاء واللجوء إلى الله في طلب الشهادة في سبيله ، ونصرة دينه ورسوله عليه الصلاة والسلام ، ويتجلى ذلك في قوله ( اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلى أن أقاتل من قوم كذبوا رسول الله ،وآذوه، وأخرجوه ، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها عنا وعنهم ، فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فأقر الله عينه منهم)[سيرة ابن هشام] فإن الله لما علم صدق نية سعد وإخلاصه، رزقه ووفقه، وألهمه، وسدده في المواقف، ثم رزقه الشهادة، فكان مسددا مهدياً حتى مات، فبقدر الصدق يمنح الله الثبات للعبد في الأقوال، والأفعال، والتصرفات، ويحرسه سبحانه وتعالى بعينه التي لا تنام.

رابعا: مقتل خلاد بن سويد من بلحارث بن الخزرجt ،حيث دلّت عليه نباتة الرحا من فوق الحصن بإيعاز من زوجها يريدها عندما تؤسر مع النساء أن تقتل بهذه الجناية حتى لا يتزوجها أحد بعده ، لعلمه أن النبيr لا يقتل النساء إلا حدا ، وبذلك قتل خلاد وهو في رباط وفي حصار الحصن شهيدا وصابرا محتسبا ، صادقا مع الله في الجهاد وإرساء دعائم هذا الدين فصدقه الله ورزقه بصدقه ما تمناه من الفوز برحمته وبجنة عرضها السموات  والأرض ، أعدت لأهؤلاء وأمثالهم من الباذلين الصادقين كما قال تعالى (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)[سورة البقرة] .

ويستفاد من ذلك في المجال الدعوي ، أن الداعية إلى الله يكون على حال من الصدق والإخلاص في دعوته للناس إلى الله وإلى دينه وشريعته ، يريد لهم النجاة والخير في الدنيا واللآخرة ، ومن صدقه وإخلاصه أن يكون أسوة وقدوة حسنة للناس فيما يدعوا إليه من الحق محتسبا على الله فيما يعترضه من البلايا والمحن ، والمشاق والفتن ، فهو في طريق جهادية ، وعلى ثغرة من ثغور الدين وهي الدعوة وتبصير الناس بدينهم وهدي رسولهم عليه الصلاة والسلام ، فإذا صدق مع الله صدقه الله بما وعده من الأجر والخير الكثير في الدنيا والآخرة كما قال تعالى ﭽ ﮠ   ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﭼ[سورة العنكبوت].

الدرس العاشر: الحزم عند النبيr في الأمور عامة وفي غزوة بني قريظة خاصة ، واشتمال حزمه عليه الصلاة والسلام على اللين ، فقد جمع الله له هاتين الخصلتين الحزم واللين ، وهذا يدل على التوازن النفسي والسلوكي في شخصيته عليه الصلاة والسلام ولنا فيه قدوة حسنة في ترويض النفس البشريّة على التوازن المرجوّ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما ضرب رسول الله rخادما له قط ولا امرأة له قط ولا ضرب بيده الا ان يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه الا لمن ينتهك محارم الله عز و جل فينتقم لله عز و جل)[رواه مسلم] وفي حديث المسور بن مخرمة قال :إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فاتت رسول اللهr فقالت يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح بنت أبي جهل فقام رسول الله r فسمعته حين تشهد يقول(أما بعد فقد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها والله لا تجتمع بنت رسول اللهr وبنت عدو الله عند رجل واحد) فترك علي الخطبة.[رواه البخاري] وهذا كله وغيره كثير في سيرته عليه الصلاة والسلام مما يدل على حزمه ولينه .

وفي غزوة بني قريظة ، برزت مظاهر الحزم في تعامله عليه الصلاة والسلام ومن ذلك:

أولا: عندما نكث بنو قريظة العهد والميثاق وتحالفوا مع الأحزاب على حرب المسلمين رد الله كيدهم في نحورهم وأمكن الله رسوله منهم ، تجلى حزمه عليه الصلاة والسلام في إنزالهم على حكمه وإنزال العقوبة بهم ، وعدم قبول أي عرض منهم في سبيل التخلص منها ، وتجلى لينه معهم في قبول طلبهم استشارة أبي لبابة ، وفي إرضاء أصحابه من الأوس في تكليف رجل منهم في التحكيم وهو سعد بن معاذt .

ثانيا: تجلى حزمه وحلمه عليه الصلاة والسلام وذلك في قصة أبي لبابة عندما استدرك أمره في مقولته لبني قريظة ، ورأى أنه خان الله ورسوله ، ذهب إلى المسجد النبوي وارتبط فيه ولم يرجع للنبي وأصحابه فقال فيه النبي عليه الصلاة والسلام عندما أخبر ( دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء ، لو كان جاءني استغفرت له ، فأما إذ لم يأتني وذهب فدعوه)[كتاب المغازي] فأما حلمه فهو حرصه عليه الصلاة والسلام على أبي لبابة وشفقته عليه رغم جسامة ما بدر منه ، وأما حزمه فقوله “دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء” أي لا مراجعة فيه حتى يقضي الله فيه أمره ، وهذا ضرب من ضروب التعليم حتى يتعلم المخطيء من خطئه ، ويحرص على الإنتباه في مستقبله.والداعية إلى الله بحاجة إلى أن يتقلب في دعوته إلى الله بين هاتين الخصلتين ، الحزم واللين ، أو كما يقال عنه في بعض الأحيان حزم في لين ، فيكون حازما فيما يدعوا إليه ، وجادا في حياته ، وقدوة في سلوكه وأعماله ، ويكون لينا بعيدا عن الغلظة والفضاضة التي تنفر المدعوين منه ومن دعوته ، وهذا درس هام جدا في حياة الداعية ، وله في رسول اللهr أسوة حسنة من خلال سيرته وغزواته،فكل حياته عليه الصلاة والسلام وحياة أصحابه دروس وعبر ، وشريعة ودين ، يستقي منها الدعاة إلى الله ما يعينهم على إيصال الدعوة إلى الناس ، وتبصيرهم بما خلقوا من أجله من الإنقياد لله ، وإفراده بالعبادة والطاعة ، والبعد عن كل ما يناقض ذلك من الشرك والكفر والضلال.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *