الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ ابن عثيمين رحمه الله- باب نواقض الوضوء …. د. ناجي بن وقدان آل الجِبر

وَزَوَالُ العَقْلِ إِلاَّ يَسِيرَ نَوْمٍ مِنْ قَاعِدٍ أوْ قَائِمٍ …………

قوله: «وزوالُ العقلِ»، هذا هو النَّاقض الثَّالث من نواقض الوُضُوء، وزوال العقل على نوعين:

الأول: زواله بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون.

الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدَّة معيَّنة كالنَّوم، والإِغماء، والسُّكر، وما أشبه ذلك.

وزوال العقل بالجنون والإِغماء والسُّكْرِ هو في الحقيقة فَقْدٌ له، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ ثم استيقظَ، أو سَكِرَ، أو أُغمي عليه انتقضَ وضوءُه سواءٌ طال الزَّمنُ أم قَصُرَ.

قوله: «إلا يسيرَ نوم من قاعدٍ أو قائمٍ»، اختلف العلماء في النَّوم هل هو ناقضٌ، أو مظنَّة النَّقض، على أقوالٍ منها:

القول الأول: أن النَّوم ناقضٌ مطلقاً يسيرُه وكثيره (١)، وعلى أيِّ صفة كان؛ لعموم حديث صفوان وقد سبق (٢). ولأنَّه حَدَث، والحدثُ لا يُفرَّقُ بين كثيره ويسيره كالبول.

القول الثَّاني: أنَّ النَّوم ليس بناقضٍ مطلقاً (٣)؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن الصَّحابة كانوا ينتظرون العِشاء على عهد رسول الله  حتى تخفِقَ رؤوسهم ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون» (٤)، ….

وفي رواية البزَّار: «يضعون جنوبهم» (5).

القول الثَّالث: ـ وهو المذهب ـ أن النَّوم ليس بِحَدَثٍ، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيداً فيه الحدث (6)، ولهذا قال المؤلِّف: «إِلا يسير نومٍ من قاعدٍ وقائم».

القول الرَّابع: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو الصَّحيح ـ: أنَّ النَّوم مظنَّة الحَدَث، فإِذا نام بحيث لو انتقض وضوءُه أحسَّ بنفسه، فإِن وضوءَه باقٍ، وإِذا نام بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فقد انتقض وضوءُه (7).

وبهذا القول تجتمع الأدلة، فإن حديث صفوان بن عسَّال دلَّ على أنَّ النَّوم ناقض، وحديث أنس رضي الله عنه دلَّ على أنه غيرُ ناقض.

فيُحمل ما ورد عن الصَّحابة على ما إذا كان الإِنسانُ لو أحدث لأحسَّ بنفسه، ويُحمل حديثُ صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحسَّ بنفسه.ويؤيِّد هذا الجمع الحديثُ المروي «العين وكَاء السَّه، فإِذا نامت العينان استطلق الوكاء» (8). فإِذا كان الإِنسانُ لم يُحكِمْ وكاءَه بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فإِن نومه ناقضٌ، وإِلا فلا.

وقوله: «إِلاّ يسير نومٍ من قاعد أو قائم»، هذا استثناء من قول المؤلِّف: «وزوال العقل»، فخرج باليسير: الكثير، وخرج بقوله: «من قائم أو قاعد» ما عداهما، فما عدا هاتين الحالين ينقض النَّوم فيها مطلقاً.

فعلى هذا يكون النَّومُ الكثيرُ ناقضاً مطلقاً، والنَّومُ اليسيرُ ناقضاً أيضاً إلا من قائم أو قاعد.

واليسيرُ يُرجَعُ فيه إلى العُرف، فتارة يكونُ يسيراً في زمنه

بحيث يغفل غفلة كاملة، وربما يرى في منام شيئاً، لكنه شيء يسير؛ لأنَّه استيقظ سريعاً، ولو خرج منه شيء لشمَّه.

وتارة يكون يسيراً في ذاته بحيث لا يَغْفُل كثيراً في نومه، فمثلاً يسمع المتكلِّمين، أو إِذا كلَّمه أحدٌ انتبه بسرعة، أو لو حصل له حَدَث لأحسَّ به …..

وظاهر قوله: «من قاعد أو قائم» الإِطلاق، ولكنهم استثنوا ما إِذا كان محتبياً أو متَّكِئاً أو مستنداً فإِنه ينتقض وضوؤُه؛ لأنه في الغالب يستغرق في نومه، وإذا استغرقَ في نومه، فإنه قد يُحدِثُ ولا يحسُّ بنفسه.

ولو أن رجلاً نام وهو ساجدٌ نوماً خفيفاً، فالمذهب: ينتقضُ وضوؤُه؛ لأنه ليس قاعداً ولا قائماً.

وعلى القول الرَّاجح: لا ينتقض إِلا في حالِ لو أحدث لم يحسَّ بنفسه.

وَمَسُّ ذَكَرٍ مُتَّصلٍ، أَوْ قُبُلٍ بظَهْرِ كَفِّه، أَوْ بَطْنِه، ……..

قوله: «ومسُّ ذكر متَّصل»، هذا هو النَّاقض الرابع من نواقض الوُضُوء والمسُّ لا بُدَّ أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنَّه مع الحائل لا يُعَدُّ مسّاً.

وقوله: «ذكرٍ»، أي: أن الذي ينقض الوُضُوءَ مسُّ الذَّكرِ نفسِه، لا ما حوله.

وقوله: «متَّصلٍ»، اشترط المؤلِّف أن يكون متَّصلاً احترازاً من المنفصل، فلو قُطِع ذكرُ إِنسان في جناية، أو علاج، أو ما أشبه ذلك، وأخذه إِنسان ليدفنه، فإِن مسَّه لا ينقض الوُضُوء.

وأيضاً: لا بُدَّ أن يكون أصليًّا؛ احترازاً من الخُنثى؛ لأن الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ؛ لأنَّه إن تبيَّن أنَّه أنثى فهو زائد، وإِن أشكل فلا ينتقضُ الوُضُوءُ مع الإِشكال.

قوله: «أو قُبُلٍ»، القُبُل للمرأة، ويُشترَطُ أن يكونَ أصليًّا ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى.

قوله: «بظهر كفِّه أو بطنه» متعلِّق بـ «مسَّ»، أي: لا بُدَّ أن يكون المسُّ بالكفِّ، سواء كان بحرفه، أو بطنه، أو ظهره.

ونصَّ المؤلِّف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنَّ المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوُضُوء (9)؛ لأن المسَّ والإِمساك عادة إِنَّما يكون بباطن الكَفِّ …..

والمسُّ بغير الكَفِّ لا ينقض الوُضُوء؛ لأن الأحاديث الواردة في المسِّ باليد كقوله : «مَنْ أفضى بيده إلى ذَكره ليس بينهما سِترٌ، فقد وجب عليه الوضوءُ» (10). واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكَفُّ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: أكُفَّهُما.

واختلف العلماء في مسِّ الذَّكر والقُبُل، هل ينقضُ الوُضُوءَ أم لا؟ على أقوال:

القول الأول: وهو المذهب أنَّه ينقض الوُضُوءَ، واستدلُّوا بما يلي:

١ – حديث بُسْرَة بنت صفوان أنَّ النبيَّ  قال: «مَنْ مَسَّ ذكرَه فليتوضأ» (11).

٢ – حديث أبي هريرة : «إذا أفضى أحدُكُم بيده إلى ذكره؛ ليس دونها سِتْر فقد وجب عليه الوُضُوء».

وفي رواية: «إلى فرجه» (12).

٣ – أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر، أو القُبُل فيخرج منه شيء وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به كالنَّوم.

القول الثاني: أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقضُ الوضوءَ (13)، واستدلُّوا بما يلي:

١ – حديث طَلْقِ بْنِ عليٍّ أنه سأل النبيَّ  عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة: أعليه وُضُوءٌ؟ فقال النبيُّ : «لا، إِنَّما هو بَضْعة منك» (14).

٢ – أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، وعدمُ النقض، فلا نخرج عن هذا الأصل إِلا بدليل متيقَّن. وحديث بُسرة وأبي هريرة ضعيفان، وإِذا كان فيه احتمالٌ؛ فالأصل بقاءُ الوُضُوء. قال : «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً» (15)، فإِذا كان هذا في السَّببِ الموجبِ حسًّا، فكذلك السَّببُ الموجبُ شرعاً، فلا يمكن أن نلتفت إليه حتى يكون معلوماً بيقين …..

القول الثَّالث: أنَّه إنْ مسَّهُ بشهوة انتقض الوُضُوء وإلا فلا (16)، وبهذا يحصُل الجمع بين حديث بُسرة، وحديث طَلْق بن

عليٍّ، وإِذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل التَّرجيح والنَّسخ؛ لأنَّ الجَمْعَ فيه إِعمال الدَّليلين، وترجيح أحدهما إِلغاء للآخر.

ويؤيد ذلك قوله : «إِنمَّا هو بَضْعَة منك» (17)، لأنك إِذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ بدون تحرُّكِ شهوة صار كأنما تمسُّ سائر أعضائك، وحينئذٍ لا ينتقض الوُضُوء، وإِذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة موجودة، وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك، فإِذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، ولغير شهوة لا يجب الوُضُوءِ، ولأن مسَّه على هذا الوجه يخالف مسَّ بقية الأعضاء.

قالوا ـ وهم يحاجُّون الحنابلة ـ: لنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إِنَّ مسَّ المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسَّها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث.

وجمع بعض العلماء بينها بأنَّ الأمر بالوُضُوء في حديث بُسْرة للاستحباب، والنَّفيَ في حديث طَلْق لنفي الوجوب (18)؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: «أعليه»، وكلمة: «على» ظاهرة في الوجوب.

القول الرَّابع: وهو اختيار شيخ الإسلام أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقاً، ولو بشهوةٍ (19).

وإذا قلنا: إِنه مستحبٌّ، فمعناه أنه مشروع وفيه أجر، واحتياط، وأما دعوى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، لأنَّه قَدِمَ

على النبيِّ  وهو يبني مسجده أول الهجرة (20)، ولم يَعُدْ إِليه بعدُ. فهذا غير صحيح لما يلي:

١ – أنه لا يُصار إلى النَّسخ إلا إِذا تعذَّر الجمع، والجمع هنا ممكن …..

٢ – أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإِذا رُبط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزولَ فإن الحكم لا يمكن أن يزولَ؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، والعلَّة هي قوله: «إنما هو بَضْعَة منك»، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكرُ الإِنسان ليس بَضْعَةً منه، فلا يمكن النَّسخ.

٣ – أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إِسلام الرَّاوي، أو تقدُّم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره.

بمعنى: أنه إِذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّراً عن الآخر في الإِسلام، فلا نقول: إنَّ الذي تأخَّر إِسلامُه حديثُه يكون ناسخاً لمن تقدَّم إِسلامُه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصَّحابة، أو أنَّ النبيَّ  حدَّث به بعد ذلك.

والخلاصة: أن الإنسان إِذا مسَّ ذكره استُحِبَّ له الوُضُوءَُ مطلقاً، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإِذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قويٌ جدًّا، لكنِّي لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضَّأ.    1/284

(١) انظر: «المجموع شرح المهذب» (٢/ ١٤).
(٢) تقدم تخريجه ص (٢٤١).
(٣) انظر «المغني» (١/ ٢٣٤)، «الإنصاف» (٢/ ٢٠).
(٤) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، رقم (٣٧٦) وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (٢٠٠) وهذا
لفظه، وصحَّح النووي إسناد أبي داود «الخلاصة» رقم (٢٦٤).

(5) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٣١).
(6) رواه أحمد (٢/ ٣٣٣) واللفظ له، وابن حبان رقم (١١١٨)، والدارقطني (١/ ١٤٧)، والبيهقي (٢/ ١٣١) من حديث أبي هريرة.

(7) رواه أحمد (٤/ ٩٧)، والطبراني في «الكبير» (١٩/رقم ٨٧٥)، والدارقطني (١/ ١٦٠) من حديث معاوية. قال ابن حجر: «في إسناده بقية، عن أبي بكر بن أبي
مريم وهو ضعيف».
وروى أبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (٢٠٣)، وابن ماجه، كتاب الطَّهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (٤٧٧)، والدارقطني (١/ ١٦١) عن علي يرفعه «

(8) وأبو يعلى رقم (٣١٩٩).
قال الهيثمي: «رواه البزار وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح»، المجمع (١/ ٢٤٨).
(9) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٠، ٢٥).
(10) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٣٠)، «الاختيارات» ص (١٦).

(11)التلخيص» رقم (١٦٥).
(12) هي رواية ابن حبان انظر ص (٢٤٦).
(13) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٦، ٢٧).

(14) رواه أحمد (٤/ ٢٣) واللفظ له، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الرخصة في ذلك، رقم (١٨٢، ١٨٣)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء من ذلك (١/ ١٠١)،
(15) تقدَّم تخريجه، ص (٥٩).
(16) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٧).

(17) والطبراني (٨/رقم ٨٢٤٢)، والدارقطني (١/ ١٤٩)، وابن حبان رقم (١١٢٢) عن ملازم بن عمرو، عن عبد
الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه به.

(18) تقدم تخريجه، ص (٢٨١).
(19) انظر: «المجموع شرح المهذب» (٢/ ٤٢)، «نيل الأوطار» (١/ ٢٥١).
(20) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤)، (٢١/ ٢٢٢)، «الاختيارات» (١٦).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *