أولا: عرض الشبهة وتوثيقها.
” زعمهم أن في قصة أخذ موسى بلحية هارون ورأسه هو تحية على الطريقة التي كانت شائعة في آسيا الشرقية في الزمن القديم رمزا على المودة والإخاء، ثم يحيل إلى نص ورد في الإصحاح العشرين من سفر” صمويل الثاني”، فقال” يوءاب لعماسا:” أسالم أنت يا أخي؟ وأمسكت يد يوءا باليمنى بلحية عماسا ليقبله”[1] إدوار مونتيه.
ثانيا: الرد عليها ردا إجماليا.
إن أخذ موسى برأس ولحية أخيه هارون كما في قوله تعالى( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) طه ٩٤ ، إنما هو ليدنيه منه ويسمع منه الحقيقة، إذ كان موسى غضبا لما حصل غيرة على دين الله عز وجل ، وكراهية لما حصل من قومه من عبادة العجل، فلما تبينت له الحقيقة، وأن هارون لم يكن مذنبا ولم يحصل منه أي تقصير في نصح القوم وردهم عما هم عليه، استغفر لنفسه ولأخيه، كما في قوله سبحانه(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأعراف ١٥١ ، ورجع لمحاسبة قومه، ومحاسبة السامري الذي صنع العجل، وأغراهم بعبادته، كما قال تعالى( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)طه ٩٥ – ٩٨.
وما أورده مونتيه من الشبهة بقوله إن أخذ موسى عليه السلام برأس ولحية أخيه هارون عليه السلام، هو تحية اعتادها الناس فيما بينهم في آسيا الشرقية، إنما هو محض افتراء وكذب وتفسير وترجمة غير صحيحة للقرآن الكريم، ولا يوافق العقل والنقل أبدا، وما جاء به القرآن الكريم هو الحق والموافق للعقل والنظر الصحيح.
ثالثا: الرد عليها ردا تفصيليا.
هذه القصة بين موسى وأخيه هارون عليهما السلام، قصة وواقعة حقيقية ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، حيث أنه عليه السلام استعجل أمر ربه، تاركا هارون وبقية القوم خلفه، كما حكى الله عنه بقوله عز وجل(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) طه ٨٣ – ٨٤، فما كان من قومه إلا أن فُتنوا بفتنة السامري ، بعبادة العجل، ولم يقدر هارون عن ردهم عن ذلك ، كما في قوله تعالى(وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * الُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ) طه ٩٠ – ٩١، قال ابن كثير -رحمه الله- ” يخبر تعالى عما كان من نهي هارون عليه السلام لهم عن عبادتهم العجل وإخباره إياهم، إنما هذا فتنة لكم وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ذو العرش المجيد الفعال لما يريد، أي فيما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه، أي لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه”[2].
فلما رجع إليهم موسى عليه السلام واكتشف ما هم عليه من عبادة العجل، غضب متأسفا مما فعلوه بعده من مخالفة لما كانوا معه عليه، فألقى الألواح وأخذ برأس هارون ولحيته، فكان ما كان من رد هارون بما لقيه من قوم موسى من الأذى وعدم سماع النصيحة ، كما بين الله ذلك بقوله( قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) طه ٩٢ – ٩٤، قال العلامة السعدي- رحمه الله- ” فأقبل موسى على أخيه هارون لائما له، لم تخبرني لأبادر بالرجوع إليهم، فأخذ موسى برأس أخيه هارون ولحيته، يجره من الغضب والعتب عليه، فقال هارون ( يا بن أم) ترقيقا له، وإلا فهو شقيقه(قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) أي فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم، فلو تبعتك، لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك، وأن تقول فرقت بين بني إسرائيل حيث تركتهم، وليس عندهم راع ولا خليفة، فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني مع القوم الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء”[3].
هذه هي القصة على وجه الحقيقة كما أوردها القرآن الكريم، أما الفرية التي افتراها المستشرقون ومنهم إدوار مونتيه على وجه الخصوص، فهي مغايرة تماما، ومكذوبة على موسى وهارون عليهما السلام، إذا لا تناسب أبدا بين ما أورده مونتيه، وبين الموقف الذي دار بين موسى وهارون، فالغيرة على دين الله عز وجل، والتأسف على ما فعله القوم، يستدعي من موسى عليه السلام أن يأخذ برأس ولحية هارون لائما له على عدم اللحاق به، فموسى عليه السلام أسند إلى هارون عليه السلام مهمة وهي أن يحفظ القوم من أن ينحرفوا عن الجادة، ولاسيما أنهم حديثي عهد بالإسلام، وينهاهم عن عبادة العجل، وإن لم يستطع فليلحق به إلى جبل الطور[4]، وقد أدى هارون عليه السلام تلك المهمة على أكمل وجه، ولكنه لم يستطع رد القوم عن عبادة العجل، فقد تعرض لألوان الأذى وصلت إلى حد القتل، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم، وأيده العقل السليم، كما قال تعالى(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأعراف ١٥٠ ، قال ابن كثير -رحمه الله- ” أي لا تسوقني سياقهم ، ولا تجعلني معهم”[5].
ولذلك بادر موسى عليه السلام بالاستغفار له ولأخيه مما حصل، والأنبياء والرسل يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم، ويعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم، فموسى عليه السلام لا يريد ترويع أخيه، ولا أن يظن به سوء، ولكنها غيرة على دين الله، وغضب من أجل شريعة الله، ولذلك بادر عليه السلام بمعالجة الوضع، ومعاقبة السامري، وإحراق العجل ونسفه في البحر، ورد الناس إلى توحيد الله وعبادته، كما قال عز وجل( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) طه ٩٧، يقول د. محمد الحديدي ” ولكن مما يشفع لهارون عليه السلام أنه ليس بالقوة والشدة التي بهما موسى عليه السلام، فكان يخشى من القتل ما لا يخشاه موسى”[6].
ولقد خالف مونتيه ما جاء في القرآن الكريم، وأول النص القرآني وترجمه على ما يمليه عليه الهوى، دون أن يكلف نفسه عناء الاطلاع على ما لدى المسلمين من مراجع وتفاسير معتمدة، ليتبين على ماذا يدل النص، ولذلك انحرف في التأويل وأتى بما لا يتوافق أبدا مع النقل والعقل، فيقول إن أخذ موسى بلحية أخيه هارون ورأسه إنما هي تحية متعارف عليها في آسيا الشرقية في الزمن القديم رمزا على المودة والإخاء، ويستشهد على كلامه بنص ورد في الإصحاح العشرين من سفْر [ صمويل الثاني] ” فقال يؤاب لعماسا: أسالم أنت يا أخي ؟ وأمسكت يد يوآب اليمنى بلحية عماسا ليقبله”[7]، جاعلا من هذا النص إشارة إلى ما يريد من التأويل، ولا نعلم كيف جاءت هذه الطريقة تحية مألوفة في آسيا الشرقية، وعلى أي مستند تستند، ولماذا اقتصرت هذه التحية على آسيا الشرقية فقط، وما العلاقة التي تربطها بما جاء في القرآن الكريم، من أن موسى أخذ برأس أخيه ولحيته على أنها تحية؟ أيدل هذا على أن هارون عندما قال له(قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) طه ٩٤، كان يطلب منه ألا يحييه لأنه هو الغضبان وليس موسى؟ ولنفترض جدلا أن مونتيه لم يفهم نص القرآن في سورة طه بالشكل الصحيح، أفلا نظر إلى قول الله تعالى في سورة الأعراف( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأعراف ١٥٠ ، أم أنه سيفسر بأن جر الناس بعضهم بعضا من رؤوسهم كان في آسيا الشرقية في الزمن القديم، دلالة على الحب، أم من الحب ما قتل؟. يقول د. إبراهيم عوض ” لا جرم أن يقول إن قول الله تعالى( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) الأنبياء ٣٤ صعب الفهم، ذلك أنه يرى أن هذه الآية ربما كانت منحولة ، وأنها على أية حال لم تسلم من العبث، ومعناها يصعب الوصول إليه، وفيم كل هذا؟ لقد اكتشفت أن هذه الآية تضاد العقيدة القرآنية التي تقرر أن البشر يخلدون في الجنة أو في النار، ليس هذا فقط، بل إنه من حيرته البالغة أمام هذه الآية يتساءل: أيقصد محمد إن الله قد احتفظ له بمكان خاص في الحياة الأبدية؟ ( يشير بهذا إلى الجزء الأول من الآية ) ثم يستمر قائلا” يبدو أن النبي كان يجهل ما تقوله التوراة عن إخنوخ أن سار مع الله إلى آخر عمره، ثم اختفى لأن الله أخذه” ، لكن كيف كان النبي يجهل هذا يا ترى وهو متهم من هؤلاء المستشرقين بأنه كان يقرأ هذه التوراة ويسرق منها؟ والسؤال هنا ما علاقة هذا بذاك؟ وما وجه المقارنة بين إخنوخ الذي اختفى لأن الله أخذه، وبين إعلان القرآن بأن محمدا سيموت، مثله مثل البشر جميعا؟ “[8] .
والخلاصة فيما سبق أن مناقشة أقوال وآراء هؤلاء والرد عليها لا يُعد تضييعا للوقت، لأن هؤلاء هم أئمة قومهم، وكلامهم مؤثر ومسموع، وقد تنطلي حججهم على قليلي العلم ، أو المتأثرين بهم، فتمر شبههم على الإسلام والقرآن ، ويصدقها الجاهلون، فلا بد من تفنيدها والرد عليها، وبيان عوارها وباطلها، حتى تظهر شمس الحقيقة، ويعلم الناس أن ما يدعيه مونتيه وأمثاله من المستشرقين من شبه ما هي إلا محض افتراء وكذب ، فهذا وأمثاله لا يألون جهدا في إثارة الفتن، وبسط التهم، وإثارة الشكوك، ولذلك استبان بطلان شبهته حول قصة موسى وأخيه هارون عليهما السلام، وأنه لا تناسب أبدا بين ما أوَّله وترجمه، وبين ما جاء به القرآن الكريم، وأن ما جاء به لا يمكن بحال أن يتفق مع العقل السليم ، والنقل المتين، وأن ما جاء به القرآن الكريم هو الحق الذي لا مرية فيه، وصدق الله حين قال( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء ٨٢ ، وقوله عز وجل( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت ٤١ – ٤٢ .
[1] ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، ص 449 والمستشرقون والقرآن ص 38، و موسوعة بيان الإسلام ص 253.
[2] تفسير ابن كثير 3/ 155.
[3] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/ 248-249.
[4] ينظر حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، مصر، 1423ه – 2002 م، ص 342.
[5] تفسير ابن كثير 2/230.
[6] عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، مصر، 1399ه-1979م، ص 343-344.
[7] الكتاب المقدس، العهد القديم، الإصحاح 20.
[8] المستشرقون والقرآن ص 38-39.
