تفسير القرآن الكريم للشيخ ابن عثيمين رحمه الله- تفسير سورة البقرة آية 122–125 د. ناجي بن محمد آل الجِبر

  ( يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: ١٢٢)

(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة: ١٢٣)

التفسير:

{١٢٢} قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي … } الآية؛ سبق الكلام على نظيرها، وفوائدها.

{١٢٣} قوله تعالى: {واتقوا يوماً}: سبق الكلام على نظيرها.

قوله تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً؛ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئاً؛ لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسَنَسْلَم بهم من النار، أو من عذاب هذا اليوم؛ و {شيئاً} نكرة في سياق النفي، فتعم أيّ شيء؛ ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السُّنة؛ فإن هذه الآية مخصوصة بها.

قوله تعالى: {ولا يُقبَل منها} أي من النفس؛ والذي يَقبل، أو يَردّ هو الله سبحانه وتعالى؛ و {عدل} أي ما يعدل به العذاب عن نفسه ــ وهو الفداء ــ؛ فـ «العدل» معناه الشيء المعادِل، كما قال الله ــ تبارك وتعالى ــ: {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره} [المائدة: ٩٥] أي ما يعادله من الصيام؛ وهنا: لو أتت بالفداء لا يقبل.

قوله تعالى: {ولا تنفعها شفاعة}؛ «الشفاعة» هي التوسط للغير بدفع مضرة، أو جلب منفعة؛ سميت بذلك؛ لأن الشافع إذا انضم إلى المشفوع له، صار شِفعاً بعد أن كان وتراً؛ فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها: شفاعة لدفع مضرة؛ والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ شفاعة في جلب منفعة.

قوله تعالى: {ولا هم ينصرون}: مع أن السياق يرجع إلى مفرد في قوله تعالى: {نفس عن نفس}، وقوله تعالى: {ولا يقبل

منها}، وقوله تعالى: {ولا تنفعها}؛ جاء الكلام هنا بصيغة الجمع باعتبار المعنى؛ لأن قوله تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس} للعموم؛ والعموم يدل على الجمع، والكثرة؛ ثم إن هنا مناسبة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن ــ حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل ــ، كما في قوله تعالى في سورة طه؛ {قالوا آمنا برب العالمين * رب هارون وموسى} [الشعراء: ٤٧، ٤٨]؛ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة؛ فمراعاة الفواصل إذاً من بلاغة القرآن.

الفوائد:

١ ــ من فوائد الآية: إثبات يوم القيامة، وأن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.

٢ ــ ومنها: أن ذلك اليوم لا تغني نفس عن نفس شيئاً؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئاً؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئاً، كما قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً}.

٣ ــ ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم}.

٤ ــ ومنها: ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوم؛ لقوله تعالى: {لا تنفعها شفاعة}؛ وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم (شرح البخاري ومسلم)، وأنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر أن لا

يدخلوا النار (١)؛ وفيمن دخل النار أن يخرج منها (٢)؛ فعلى هذا يكون العموم في قوله تعالى: {ولا تنفعها شفاعة} مخصوصاً بما ثبتت به السنة من الشفاعة.

٥ ــ ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: ٤٨].

٦ ــ ومنها: أنه لا ينصر أحد أحداً من عذاب الله؛ لقوله تعالى: {ولا هم ينصرون}.

القرآن

( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٢٤)

التفسير:

{١٢٤} قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه}؛ {إبراهيم} مفعول مقدم؛ و {ربه} فاعل مؤخر؛ فالمبتلي هو الله؛ والمبتلى هو إبراهيم؛ والابتلاء هو الاختبار، والامتحان؛ و {إبراهيم} بكسر الهاء، وياء بعدها؛ وفيها قراءة: {إبراهام} بفتح الهاء، وألف بعدها؛ وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم: وهي من الربوبية

الخاصة؛ فالربوبية بإزاء العبودية؛ فكما أن العبودية نوعان ــ خاصة، وعامة ــ فالربوبية أيضاً نوعان: خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قول السحرة: {آمنا برب العالمين} [الأعراف: ١٢١]: هذه عامة؛ {رب موسى وهارون} [الشعراء: ٤٨]: هذه خاصة؛ ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل ــ ولا سيما أولو العزم منهم؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ــ أخص الربوبيات.

قوله تعالى: {بكلمات}؛ هذه الكلمات ــ التي هي محل الابتلاء، والاختبار ــ أطلقها الله سبحانه وتعالى؛ فهي كلمات كونية؛ وشرعية؛ أو جامعة بينهما؛ واختلف المفسرون في هذه الكلمات؛ وأصح الأقوال فيها أن كل ما أمره به شرعاً، أو قضاه عليه قدراً، فهو كلمات؛ فمن ذلك أنه ابتُلي بالأمر بذبح ابنه، فامتثل؛ لكن الله سبحانه وتعالى رفع ذلك عنه حين استسلم لربه؛ وهذا من الكلمات الشرعية؛ وهذا امتحان من أعظم الامتحانات؛ ومن ذلك أن الله امتحنه بأن أوقدت له النار، وأُلقي فيها؛ وهذا من الكلمات الكونية؛ وصبر، واحتسب؛ فأنجاه الله منها، وقال تعالى: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} [الأنبياء: ٦٩]؛ وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر، ومصابرة، أو أمره به فهو داخل في قوله تعالى: {بكلمات}.

قوله تعالى: {إني جاعلك} أي مصيرك؛ وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من «جعل» التي بمعنى «صيّر»؛ والمفعول الأول: الكاف التي في محل جر بالإضافة؛ والمفعول الثاني: {إماماً}.

وقوله تعالى: {للناس إماماً} عامة فيمن أتى بعده: فإنه

صار إماماً حتى لخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} [النحل: ١٢٣]؛ و «الإمام» مَن يُقتدى به سواء في الخير، أو في الشر؛ لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير.

فإذا قال قائل: أرُونا دليلاً على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟ قلنا: قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} [القصص: ٤١]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (رواه مسلم)؛ وهذا لأنه إمام.

قوله تعالى: {ومن ذريتي} أي واجعل من ذريتي إماماً؛ وهنا {مِن} يحتمل أنها لبيان الجنس؛ وبناءً على ذلك تصلح {ذريتي} لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة؛ ويحتمل أنها للتبعيض؛ وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إماماً؛ والكلام يحتمل هذا، وهذا؛ ولكن سواء قلنا؛ إنها لبيان الجنس؛ أو للتبعيض؛ فالله تعالى أعطاه ذلك مقيداً، فقال تعالى: {لا ينال} أي لا يصيب {عهدي} أي تعهدي لك بهذا {الظالمين}؛ و {عهدي} فاعل؛ و {الظالمين} مفعول به؛ أي أجعل من ذريتك إماماً؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك.

الفوائد:

١ ــ من فوائد الآية: أن الله قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة؛ لقوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وكما أنه يبتلي

بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية، مثل: مرض، مصائب في المال، أو في الأهل؛ وما أشبه ذلك.

٢ ــ ومنها: فضيلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {ربه} حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم ــ وهي ربوبية خاصة ــ؛ ولقوله تعالى: {فأتمهن}؛ ولقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً}.

٣ ــ ومنها: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة؛ لقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً}؛ فإنه لما أتمَّهن جوزي على ذلك بأن جُعل للناس إماماً.

٤ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالإمامة، والصلاح؛ لقوله تعالى: {قال ومن ذريتي}؛ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: ٤٠].

٥ ــ ومنها: أن الظالم لا يستحق أن يكون إماماً؛ والمراد: الظلم الأكبر ــ الذي هو الكفر ــ؛ لقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}.

٦ ــ ومنها: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل سافلين؛ لا يجعلهم في قمة؛ بل ينزلهم إما في الدنيا؛ وإما في الآخرة.

( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة: ١٢٥)

التفسير:

{١٢٥} قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس

وأمناً}؛ {إذ} للظرفية؛ وهي متعلقة بمحذوف تقديره: «اذكر»؛ يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس؛ و {جعلنا} أي صيرنا؛ و {البيت}«أل» هنا للعهد الذهني؛ والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عزّ وجلّ؛ وأتى هنا بـ «أل» للتفخيم والتعظيم؛ يعني: البيت المعهود الذي لا يُجهل، ولا يُنسى جعلناه مثابة … ؛ و «المثابة» بمعنى المرجع؛ أي يثوب الناس إليه، ويرجعون إليه من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليه بأبدانهم، أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجاً، أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم؛ والذين يتجهون إليه كل يوم بصلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم، وليلة؛ بل استقباله من شروط صحة صلاتنا.

وقوله تعالى: {أمناً} أي وجعلناه أمناً للناس؛ أي مكان أمن يأمن الناس فيه على دمائهم، وأموالهم ــ حتى أشجار الحرم، وحشيشه آمن من القطع ــ.

قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى} أي صيِّروا، واجعلوا؛ وفيها قراءتان؛ إحداهما: بفعل الأمر: {اتخِذوا}؛ والثانية: بفعل الماضي: {اتخَذوا} أي: واتخذ الناس؛ وعلى الأولى: اتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلًّى؛ و {مِن} هنا لبيان الجنس؛ ويجوز أن تُضمَّن «في»؛ يعني: واتخذوا في هذا المقام مكاناً للصلاة؛ و «المقام» مكان القيام؛ ويطلق إطلاقين: إطلاقاً عاماً – وهو مكان قيام إبراهيم للعبادة -؛ وإطلاقاً خاصاً ــ وهو مقامه لبناء الكعبة ــ؛ فعلى الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج، ومشاعر الحج من مقام إبراهيم: عرفة؛ مزدلفة؛

الجمرات؛ الصفا، والمروة … إلخ؛ وعلى الإطلاق الثاني الخاص يكون المراد الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليرفع قواعد البيت؛ وهو هذا المقام المشهور المعروف للجميع.

وقوله: {مصلًّى} مفعول أول لـ {اتخذوا} منصوب بالفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؛ والتنوين الذي فيه عوض عن الألف المحذوفة؛ والمفعول الثاني: هو الجار والمجرور المقدم؛ و «المصلى» مكان الصلاة؛ وهل المراد بالصلاة الصلاة اللغوية؛ أو الصلاة الشرعية المعروفة؟ يحتمل هذا، وهذا؛ فإن قلنا بالأول شمل جميع مناسك الحج؛ لأنها كلها محل للدعاء؛ وإن قلنا بالثاني اختص بالركعتين بعد الطواف خلف المقام؛ ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من طوافه تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وصلى ركعتين (رواه مسلم)؛ والقول بالعموم أشمل؛ ويجاب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه فسر المعنى ببعض أفراده؛ وهذا لا يقتضي التخصيص عند أهل التحقيق من الأصوليين.

قوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم}؛ «العهد» الوصية بما هو هام؛ وليست مجرد الوصية؛ بل لا تكون عهداً إلا إذا كان الأمر هاماً؛ ومنه عهْد أبي بكر بالخلافة إلى عمر؛ ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين العامة الخلافة.

قوله تعالى: {وإسماعيل}: هو ابن إبراهيم؛ وهو أبو العرب؛ وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني: هو الذي أمر الله

إبراهيم أن يذبحه؛ وهو الذي قال لأبيه: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: ١٠٢]؛ وقول من قال: «إنه إسحاق» بعيد؛ وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل: لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين له ضعف هذا القول.

قوله تعالى: {أن طهرا بيتي}؛ {أنْ} تفسيرية؛ لأنّ {عهدنا} فيه معنى القول دون حروفه؛ أي أنّ العهد هو قوله تعالى: {طهرا بيتي … }؛ و {طهرا} فعل أمر؛ و {بيتي} المراد به الكعبة؛ وأضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه إضافة تشريف؛ والمراد تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية.

قوله تعالى: {للطائفين} أي للذين يطوفون بالبيت؛ فاللام هذه للتعليل ــ أي لأجلهم ــ؛ والثاني: {العاكفين} أي الذين يقيمون فيه للعبادة؛ والثالث: {الركع السجود} أي الذين يصلون فيه؛ وعبر عن الصلاة بالركوع، والسجود؛ لأنهما ركنان فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلاً على أن هذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونه؛ و {الركع} جمع راكع؛ و {السجود} جمع ساجد؛ وهنا بدأ بـ {الطائفين}؛ لأن عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بـ {العاكفين}؛ لأن عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطائفين؛ وثلّث بـ {الركع السجود}؛ لأن ذلك يصح بكل مكان بالأرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» ؛ فإذاً يكون الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخص فالأخص.

الفوائد:

١ ــ من فوائد الآية: فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة؛ وأمن.

٢ ــ ومنها: ظهور رحمة الله؛ فإنه لما جعل هذا البيت مثابة، والناس لابد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله أمناً؛ وإنما أحلها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح؛ ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»؛ ثم أورد صلى الله عليه وسلم سؤالاً قال فيه: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (رواه البخاري ومسلم)؛ والحكم لله العلي الكبير: أذِن للرسول في تلك الساعة؛ ولكنه لم يأذن لأحد بعده كما لم يأذن لأحد قبله؛ ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمناً؛ ولما طعن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ وهو على راحلته في منى ــ طعنه أحد الخوارج بسنان الرمح في أخمص قدمه حتى لزقت قدمه بالركاب جاءه الحجاج يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟! فقال ابن عمر: أنت أصبتني! قال: وكيف؟ قال: «حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم» (رواه البخاري)؛ وبهذا

تعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم ــ والعياذ بالله ــ من أعظم الناس جرماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا البلد آمناً في كل وقت؛ فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن ــ والله أعلم ــ إلا لأجلها.

٣ ــ ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون كل مكان مثابة للناس أمناً؛ ولهذا كره أهل العلم أن يحمل السلاح في المساجد؛ قالوا: لأن المساجد محل أمن؛ لكن إذا كان المراد من حمل السلاح حفظ الأمن كان مأموراً به.

٤ ــ ومنها: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم؛ لقوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى}؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن قلنا بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال؛ لأن فيه ما لا يتم الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ ومنه ما يصح الحج بدونه مع وجوبه كالمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات؛ ومنه ما يصح الحج بدونه وليس بواجب، كصلاة الركعتين بعد الطواف على المشهور؛ وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال: فإن جمهور العلماء على أنهما سنة؛ وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان؛ والذي ينبغي للإنسان: أن لا يدعهما؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر الآية بهما، حيث تقدم إلى مقام إبراهيم بعد الطواف، فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

٥ ــ ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب العامل بأكثر من عمله؛ فإبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أتم الكلمات جعله الله تعالى إماماً للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلًّى؛ وهذا بعض من إمامته.

٦ ــ ومنها: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية، والمعنوية؛ لقوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا}؛ والعهد هو الوصية بالأمر الهام؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: ٢٨]؛ ولهذا لا يجوز للمشركين وغيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا من المسجد الحرام والله تعالى يقول: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: ٢٨].

٧ ــ ومن فوائد الآية: اشتراط طهارة مكان الطواف؛ لقوله تعالى: {للطائفين}.

٨ ــ ومنها: اشتراط طهارة لباس الطائفين من باب أولى، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان.

٩ ــ ومنها: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة؛ لقوله تعالى: {وطهرا بيتي للطائفين}؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان ــ مثلاً ــ أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفاً بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كان من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزم من سعيها أن تمكث في المسجد.

١٠ ــ ومن فوائد الآية: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود؛ وأن الركوع والسجود أفضل هيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل هيئة من القيام؛ والسجود أفضل منه؛ والقيام أفضل من الركوع، والسجود بما يُقرأ فيه؛ ولهذا نُهي المصلي أن يقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً؛ فإنَّ ذِكْر القيام كلام الله؛ وهو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود هو التسبيح؛ وهو أقل حرمة من القرآن؛ ولذلك حل الذكر للجنب دون قراءة القرآن، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دون مس المصحف؛ فالله سبحانه وتعالى حكيم: جعل لكل ركن من أركان الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقيام اختصه بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل هيئتهما.

تنبيه:

اختلف المؤرخون: هل كان الحجر الذي كان يرفع عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم بناءَ الكعبة لاصقاً بالكعبة، أو كان منفصلاً عنها في مكانه الآن؛ فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقاً بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا الموضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه لا يجوز أن يغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره؛ وإذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم فليس لنا أن نؤخره عنه؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة بناءً على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقاً بالكعبة، ثم أُخِّر؛ وهذا لا شك أنه لو أُخِّر عن مكانه فيه دفع مفسدة ــ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في المواسم؛ وفيه نوع مفسدة ــ وهي أنه يبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة هنا: هل الأولى بقاؤه في مكانه؟ أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يبقى ما كان على ما كان، وحذراً من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطائفين هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلّت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأن الناس صار عندهم وعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *