ولهذا نقول: أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الرجال ورقة بن نوفل.
* قوله: “وعاضده على أمره”؛ أي: ساعده، ومن تدبر السيرة؛ وجد لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها من معاضدة النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ما لم يحصل لغيرها من نسائه.
* قوله: “وكان لها منه المنزلة العالية”: حتَّى إنه كان يذكرها بعد موتها صلوات الله وسلامه عليه، ويرسل بالشيء إلى صديقاتها، ويقول: “إنَّها كانت وكانت وكان لي منها ولد” (رواه البخاري)؛ فكان يثني عليها، وهذا يدل على عظم منزلتها عند الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
* قوله: “والصديقة بنت الصِّديق رضي الله عنها”:
أما كونها صديقة؛ فلكمال تصديقها لرسول الله – صَلَّى الله عليه وسلم -، ولكمال صدقها في معاملته، وصبرها على ما حصل من الأذى في قصة الإفك، ويدلك على صدقها وصدق إيمانها بالله أنَّه لما نزلت براءتها؛ قالت: إنِّي لا أحمد غير الله. وهذا يدل على كمال إيمانها وصدقها.
وأمَّا كونها بنت الصِّديق؛ فكذلك أيضًا؛ فإن أباها رضي الله عنه هو الصِّديق في هذه الأمة، بل صديق الأمم كلها؛ لأنَّ هذه الأمة أفضل الأمم؛ فإذا كان صديق هذه الأمة؛ فهو صديق غيرها من الأمم.
* قوله: “التي قال فيها النَّبيُّ – صَلَّى الله عليه وسلم -: “فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام“”.
* قوله: “على النساء”: ظاهره العموم؛ أي: على جميع النساء. وقيل: إن المراد: فضل عائشة على النساء؛ أي: من أزواجه اللاتي على قيد الحياة؛ فلا تدخل في ذلك خديجة.
* لكن ظاهر الحديث العموم؛ لأنَّ الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: “كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلَّا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطَّعام”، وقد أخرجه الشيخان (رواه البخاري ومسلم) بدون ذكر خديجة. وهذا يدل على أنها أفضل النساء مطلقًا.
* ولكن ليست أفضل من فاطمة باعتبار النسب؛ لأنَّ فاطمة بلا شك أشرف من عائشة نسبًا.
وأمَّا منزلة؛ فإن عائشة رضي الله عنها لها من الفضائل العظيمة ما لم يدركه أحد غيرها من النساء.
* وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هاتين الزوجين رضي الله عنهما في منزلة واحدة؛ لأنَّه قال: “خصوصًا خديجة … والصديقة”، ولم يقل: ثم الصديقة.
* والعلماء اختلفوا في هذه المسألة:
– فقال بعض العلماء: خديجة أفضل؛ لأنَّ لها مزايا لم تلحقها عائشة فيها.
– وقال بعض العلماء: بل عائشة أفضل؛ لهذا الحديث، ولأن لها مزايا لم تلحقها خديجة فيها.
– وفصل بعض أهل العلم؛ فقال: إن لكل منهما مزية لم تلحقها الأخرى فيها؛ ففي أول الرسالة لا شك أن المزايا التي حصلت عليها خديجة لم تلحقها فيها عائشة، ولا يمكن أن تساويها، وبعد ذلك، وبعد موت الرسول – صَلَّى الله عليه وسلم -، حصل من عائشة من نشر العلم ونشر السنة وهداية الأمة ما لم يحصل لخديجة؛ فلا يصح أن تفضَّل إحداهما على الأخرى تفضيلًا مطلقًا، بل نقول: هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه، ونكون قد سلكنا مسلك العدل؛ فلم نهدر ما لهذه من المزية، ولا ما لهذه من المزية، وعند التفصيل يحصل التحصيل.
وهما وبقية أزواج الرسول في الجنة معه.
* * *
* قوله: “ويتبرؤون من طريقة الروافض الدين يبغضون الصّحابة ويسبونهم”:
* الروافض: طائفة غلاة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وهم من أضل أهل البدع، وأشدهم كرهًا للصحابة رضي الله عنهم، ومن أراد معرفة ما هم عليه من الضلال؛ فليقرأ في كتبهم
وفي كتب من رد عليهم.
وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي.
* أما النواصب؛ فهم الذين ينصبون العداء لآل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم؛ فهم على النقيض من الروافض.
* فالروافض اعتدوا على الصّحابة بالقلوب والألسن.
– ففي القلوب يبغضون الصّحابة ويكرهونهم؛ إلَّا من جعلوهم وسيلة لنيل مآربهم وغلوا فيهم، وهم آل البيت.
– وفي الألسن يسبونهم فيلعنونهم ويقولون: إنهم ظلمة! ويقولون: إنهم ارتدوا بعد النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – إلَّا قليلًا، إلى غير ذلك من الأشياء المعروفة في كتبهم.
* وفي الحقيقة إن سب الصّحابة رضي الله عنهم ليس جرحًا في الصّحابة رضي الله عنهم فقط، بل هو قدح في الصّحابة وفي النَّبيِّ – صَلَّى الله عليه وسلم – وفي شريعة الله وفي ذات الله عزَّ وجلَّ:
– أما كونه قدحًا في الصّحابة؛ فواضح.
– وأمَّا كونه قدحًا في رسول الله – صَلَّى الله عليه وسلم -؛ فحيث كان أصحابه وأُمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.
– وأمَّا كونه قدحًا في شريعة الله؛ فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله – صَلَّى الله عليه وسلم – في نقل الشريعة هم الصّحابة، فإذا سقطت عدالتهم؛ لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.
– وأمَّا كونه قدحًا في الله سبحانه؛ فحيث بعث نبيه – صلى الله عليه وسلم – في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته!!
فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصّحابة رضي الله عنهم.
* ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصّحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا -ولله الحمد- مملوءة من محبتهم؛ لما كانوا عليه من الإيمان والتقوى ونشر العلم ونصرة النَّبيِّ – صَلَّى الله عليه وسلم -.
* * *
* قوله: “وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل”.
* يعني: يتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة النواصب.
وهؤلاء على عكس الروافض، الذين يغلون في آل البيت، حتَّى يخرجوهم عن طور البشرية إلى طور العصمة والولاية.
أما النواصب؛ فقابلوا البدعة ببدعة، فلما رأوا الرافضة يغلون في آل البيت؛ قالوا: إذًا؛ نبغض آل البيت ونسبهم؛ مقابلة لهؤلاء في الغلو في محبتهم والثناء عليهم، ودائمًا يكون الوسط هو خير
الأمور؛ ومقابلة البدعة ببدعة لا تزيد البدعة إلَّا قوة.
* * *
* قوله: “ويمسكون عما شجر بين الصّحابة”؛ يعني: عما وقع بينهم من النزاع.
* فالصحابة رضي الله عنهم وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، ممَّا أدى إلى القتال.
وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت -بلا شك- عن تأويل واجتهاد، كل منهم يظن أنَّه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا عليًّا رضي الله عنهم أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليًّا على حق.
واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق.
ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلَّا عن اجتهاد؛ فإنَّه ثبت عن النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أن: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر” (رواه البخاري ومسلم)؛ فنقول: هم مخطئون مجتهدون؛ فلهم أجر واحد.
* فهذا الذي حصل موقفنا نحن منه له جهتان: الجهة الأولى: الحكم على الفاعل. والجهة الثَّانية: موقفنا من الفاعل.
– أما الحكم على الفاعل؛ فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم؛ فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ؛ فصاحبه معذور مغفور له.
– وأمَّا موقفنا من الفاعل؛ فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم، لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالًا للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا؛ ونحن في فعلنا هذا إما آثمون وإما سالمون، ولسنا غانمين أبدًا؟!
* فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصّحابة، وأن لا نطالع الأخبار أو التآريخ في هذه الأمور؛ إلَّا المراجعة للضرورة.
* * *
* قوله: “ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم؛ منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه الصريح”.
* قسم المؤلف الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام:
– منها ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيرًا فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت.
– ومنها شيء له أصل، لكن زيد فيه ونقص وغيِّر عن وجهه.
وهذان القسمان كلاهما يجب رده.
– القسم الثالث: ما هو صحيح؛ فماذا نقول فيه؟
بينه المؤلف بقوله:
* “والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون”.
* والمجتهد إن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر واحد؛ لقول النَّبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم: “إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر” (رواه البخاري ومسلم).
* فما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما صادر عن اجتهاد وتأويل.
لكن لا شك أن عليًّا أقرب إلى الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه؛ إلَّا أن معاوية كان مجتهدًا.
* ويدل على أن عليًّا أقرب إلى الصواب أن النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “ويح عمار! تقتله الفئة الباغية” (رواه البخاري ومسلم)؛ فكان الذي قتله أصحاب
معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأولون، والصّواب مع علي إما قطعًا وإما ظنًّا.
* * *
– وهناك قسم رابع، وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل:
فبينه المؤلف بقوله:
* “وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصّحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره”.
* لا يعتقدون ذلك؛ لقوله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم: “كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون” (رواه أحمد).
ولكن العصمة في إجماعهم؛ فلا يمكن أن يجمعوا على شيء من كبائر الذنوب وصغائرها فيستحلوها أو يفعلوها.
لكن الواحد منهم قد يفعل شيئًا من الكبائر؛ كما حصل من مِسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك (رواه البخاري ومسلم)، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم.
* قوله: “بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة”؛ يعني: كغيرهم من البشر.
* * *
لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف رحمه الله:
* “ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر”.
* هذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد؛ فهم نصروا النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسلام، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله؛ فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلى الكفر.
* ومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يخبرهم عن مسير النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – إليهم، حتَّى أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – أن يضرب عنق حاطب، فقال النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “إنه شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم! “ (رواه البخاري ومسلم).
* قوله: “حتَّى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحوا السيئات ما ليس لمن
بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله – صَلَّى الله عليه وسلم -: أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به؛ كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم“.
* وذلك في قوله – صلى الله عليه وسلم -: “خير النَّاس قرني” (رواه البخاري ومسلم)، وفي قوله: “لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده؛ لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه” (رواه البخاري ومسلم).
* قوله: “ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب؛ فيكون قد تاب منه“:
يعني: وإذا تاب منه؛ ارتفع عنه وباله ومعرته؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. . .} إلى قوله: {إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: ٦٨ – ٧٠]، ومن تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ فلا يؤثر عليه.
2/290
