أولا: عرض الشبهة وتوثيقها.
يقول إدوار مونتيه [1] ” إن قصة شعيب في سورة هود ، ينبغي منطقيا أن تتلو قصة صالح عليهما السلام، وهو ما يفيد – حسب زعمه – أن قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام ليس مكانَها هناك بين القصتينِ المذكورتينِ، لماذا؟ لأن الآيةَ التي تذكر سلسلةَ الأممِ التي أَهلَكها الله قبلَ شعيبٍ – والتي يذكرُهم بها شعيبٌ عسى أن يتَّعِظوا ويطرحوا عنادَهم وكفرَهم – ليس فيها أدنى ذكرٍ لقصةِ إبراهيمَ، إذ لا تشير إلا إلى نوحٍ وهودٍ وصالحٍ، وهذا يدلُّ على أن الآياتِ التي تَحكِي قصةَ إبراهيمَ ولوطٍ لم تكن في الأصلِ جزءًا من هذه السورةِ”[2] إدوار مونتيه.
ثانيا: الرد عليها ردا إجماليا.
إن ما يقوله ويدعيه هذا المستشرق، لا يعدوا عن كونه تهورا أوقعه في التناقض والتضاد، وإلا فالقرآن الكريم له أسلوبه الخاص والفريد في عرض الأحداث والقصص، بما لا يدع مدخلا لشك أو خلل، وكم حاول الكثيرون بالطعن والتشكيك فيه وفي قصصه دون جدوى، لبلاغة أسلوبه، وقوة حجته، وإعجاز آياته، ولا أدل على ذلك من قول الله تبارك وتعالى(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء ٨٨، فمونتيه ينفي وجود ذكر لإبراهيم ولوط عليهما السلام في القصة مع أن القصة تدور حول إهلاك قوم لوط ، إذ بدأت بمرور الملائكة على إبراهيم عليه السلام، حيث أخبروه بما قدموا من أجله، وما دور شعيب عليه السلام إلا تذكير قومه بما حل بمن قبلهم من الأقوام ليتعظوا ويعتبروا.
ثالثا: الرد عليها ردا تفصيليا.
إن مونتيه في شبهته هذه يدور حول الآية الكريمة التي يُذكر شعيب عليه السلام فيها قومه بالاتعاظ والاعتبار بمن سلف من المكذبين، والتي يقول أنه لم يرد ذكر إبراهيم عليه السلام فيها، وهي قول الله تبارك وتعالى( وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ )هود ٨٩ ،متناسيا سياق القصة من أولها والتي حكت عن إهلاك قوم لوط عليه السلام، ومعنى الآية كما حكاه ابن كثير -رحمه الله- هو لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام من النقمة والعذاب[3]، فذكر إبراهيم عليه السلام لم يرد في هذه الآية وذلك لأن ذكره في أول القصة التي تحكي هلاك قوم لوط، عندما مر عليه الملائكة الكرام الموكلين بإهلاك قوم لوط، أغنى عن إعادة ذكره هنا، فالقرآن الكريم يتمتع بأسلوب الإيجاز والإعجاز، فلا يكرر إلا ما كان داعيا إلى التكرار، ناهيك من أنه تحدى الثقلين أن يأتوا بمثله، أو بسور من مثله، أو حتى بآية من مثله، كما قال تبارك وتعالى(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء ٨٨ ، وقوله سبحانه( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يونس ٣٨، وقوله عز وجل( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) الطور ٣٤، فعجز هذا المستشرق عن بلوغ هذا الإعجاز العظيم، جعله يتخبط في ترجمته ويلجأ إلى تلفيق الشبه وتحوير النص والقصة على ما يمليه عليه الهوى.
فالآية الكريمة التي أثار فيها مونتيه الشكوك تذكر لوطا وقومه في جملة مستقلة لا كما ادعاه،( وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ )هود ٨٩، لأنهم أقرب الهالكين إلى قوم نوح وهود وصالح، يقول الإمام القرطبي-رحمه الله- ” ذلك بأنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط”[4] وقال الإمام عبدالرحمن السعدي-رحمه الله-( وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ) هود ٨٩ قال” أي لا في الدار ولا في الزمان “[5] ، فأين ادعائه أن الآية لم تذكر سوى نوح وهود وصالح؟ بل وبلغ به الحد أن يدعي أن آخر الآية( وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ) أضيف مؤخرا بهدف التغطية على ما في النص من تناقض وتضاد، كما ظهر ذلك في هامش التمهيد في كتابه[6]، ومعنى كلامه أن قصة لوط وقومه، قصة دخيلة على سورة هود، وما السبب في نظره؟ السبب- على حد زعمه- أن قصة لوط مع قومه لم ترد على لسان شعيب عليه السلام، لكن الحقيقة التي لا يشوبها شك ولا وهم أن القصة أتت على لسان شعيب عليه السلام، وعندما يُسأل مونتيه عن حقيقة ورودها في القرآن الكريم، وفي نهاية الآية، لم يكن يملك من الجواب ما يدلي به سوى الادعاء بأن المسلمين هم من دسوها وأضافوها إلى الآية فيما بعد لتغطية التناقض الموجود في السورة، والله عز وجل قد زكى القرآن وحماه بقوله عز وجل( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت ٤٢ ، ولكن لو سئل هذا المستشرق أين التناقض الذي تدعيه في الآية؟ لما وجد جوابا يدلي به، لماذا لأنه ادعاء كذب وافتراء على القرآن الكريم، وظلم وبهتان للمسلمين، بل واتهام لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والله سبحانه قد بين شناعة ذلك بقوله سبحانه( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النحل ١٠٥ ، يقول ابن كثير –رحمه الله- ” إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم شرار الخلق من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا ويقينا، معروفا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم”[7].
وعلى افتراض أننا أخرجنا آخر الآية، بناء على ادعاء مونتيه أنها مضافة من قبل المسلمين وليست من الآية، فسيكون انتهاء الآية عند كلمة صالح، فهل تنسجم هذه النهاية مع بقية نهايات الآيات وفواصل السور؟ إن من له أدنى نصيب من العقل والبصيرة ، ومن له التصاق بالقرآن وتلاوته والتلذذ بآياته ومعانيه، ليجزم بأنها ليست ناشزة بين فواصل سورة هود فقط ، بل بين فواصل سور القرآن كلها، ومن ناحية أخرى ، نلاحظ أن القصص الأربع في هذه الآية، جاءت بهذا الترتيب أيضا في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، فجاء ذكرها في سورة الأعراف وذلك من قوله عز وجل( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الأعراف ٥٩ ، إلى قوله سبحانه( فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ) الأعراف ٩٣ ، وفي سورة الحج في قوله تعالى( وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) الحج ٤٢ – ٤٤ ، وفي سورة الشعراء من قوله تعالى( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)الشعراء ١٠٥، إلى قوله تعالى( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الشعراء ١٩١، فلماذا تجاهل مونتيه هذه المواضع، ولم يتطرق لها وهي ذات صلة بالموضع الذي أثار فيه شبهته، ولم يدلي ولو بتعقيب عليها، وأين مواضع تشكيكاته إذا؟ .
قلت إن هذا ليدل دلالة قاطعة لا يشوبها شك ولا ريب، على أن ما أثاره هذا المستشرق هو مجرد شبهة مضمونها افتراء وكذب وتشكيك في مضامين هذا الكتاب العزيز، من قصص وحوادث ووقائع، ولقد تبين من خلال الرد على هذه الشبهة بطلانها، لافتقادها لأبسط معالم البحث العلمي الصحيح، وتجرد صاحبها من الموضوعية، وخلو ترجمته من العدل والحيادية والإنصاف، إذا أن ما أثاره من فرية مناقض تماما لحقائق القرآن الكريم الموافقة للعقل والنقل ومواكبة للزمان والمكان. ولو كان مونتيه منصفا وأقرب للموضوعية لبين لنا أين التناقض المزعوم في الآيات، ولكن لعجزه عن الإتيان بمثل ذلك، الذي عجز عنه غيره، لجأ إلى الدسائس وتحميل النصوص ما لا تحتمل، صدا عن الإسلام والقرآن، وتشويه معالم الدين والقرآن، فتساؤله لم يكن مقتصرا على هذه القصة فحسب ، وإنما طعن في كل قصص القرآن وآياته في ترجمته، وهذا دليل على أن أهدافه لا تعدوا عن كونها تشويه لصورة الإسلام والقرآن والطعن في صدق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وما جاء به من عند الله تبارك وتعالى، وصدق الله حين قال( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) النساء ٨٩ وقوله عز وجل( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)البقرة ١٢٠ .
[1] سبقت ترجمته ص 251.
[2] ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ص 314 والمستشرقون والقرآن ص 43.
[3] ينظر تفسير ابن كثير 2/416.
[4] الجامع لأحكام القرآن 5/60.
[5] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 2/385.
[6] ينظر ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ص 326 والمستشرقون والقرآن ص 43.
[7] تفسير ابن كثير 2/539.
