تذكير ذوات الخدور بشناعة التبرج والسفور ….. د. ناجي بن وقدان

 

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .وبعد:

فإن التبرج والسفور من أعظم المنكرات وأشنع المحرمات التي شاعت وانتشرت في هذه الأزمنة المتأخرة وعلى مختلف المستويات المجتمعية في العالم الإسلامي وتختلف من مجتمع لآخر في ظهورها وانتشارها أو محدوديتها باختلاف الأسباب التي تساهم في هذا الانتشار أو الإنحسار لهذه الظاهرة المؤسفة، إلا أنها تظل ودون أدنى شك من أعظم عوامل التدمير في المجتمع وتقويض قيم العفة والحياء والطهارة فيه وإشاعة للفاحشة والرذيلة فيه وقد حذر الله جل وعلا من فتنة النساء أيما تحذير، وبين أنها أعظم فتنة يتعرض له الفرد والمجتمع، وحذر من مغبتها وسوء عاقبتها نبينا صلى الله عليه وسلم فعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: {ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء} متفق عليه ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال{ إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء } رواه مسلم ، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت{ استيقظ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليلةً فَزِعًا يقولُ : سبحانَ اللهِ ، ماذا أُنْزِلَ الليلةَ من الخزائنِ ؟ وماذا أُنْزِلَ من الفتنِ ؟ من يُوقِظُ صواحبَ الحجراتِ – يريدُ أزواجَهُ – لكي يُصلِّينَ ؟ رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرةِ } رواه البخاري ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{صِنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخُلْن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا} رواه مسلم، وفيه دليل على شناعة التبرج والسفور وأنه من أقوى أسباب ارتكاب المحرمات .

والمتأمل في النصوص الشرعية يجد التحذير الجازم والصارم من هذه الكبيرة التي قد يقع بها الكثير من نساء المسلمين بعلم أو بدون علم ،بل ونهى الله عز وجل وحذر من دواعي وأسباب الوصول إلى المحرمات،ومن ذلك نهيه سبحانه وتحريمه من الإقتراب من دواعي وأسباب الوصول إلى الزنى فقال سبحانه (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء 32 ، ومن ذلك قوله عز وجل( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً )  الأحزاب 59 ، فالإيذاء كل الإيذاء في أن تكشف المرأة عورتها وتبرز مفاتنها للرجال ومن ذلك كشف الوجه الذي هو محط زينة المرأة ومن أقوى الدواعي لخطبتها والزواج منها ،فهو من أخطر أسباب الفتنة بها، والأذى المذكور في الآية أذى شخصي في تعرض تلك المرأة للتحرش من الرجال المفتونين بها وملاحقتها بفحش القول ومقدمة مؤكدة للزنا والعياذ بالله، وإيذاء عام للمجتمع الذي ستنحدر فيه قيم العفة والحشمة والحياء ،ولذلك أتت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والعقل والقياس بدرء كل هذه المفاسد والأمر بتغطية الوجه، وهذا هو الراجح في الخلاف الواقع في ذلك .

وقد أمر الله نساء  النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي هن أمهات المؤمنين بالتزام الحجاب الشرعي وهن أطهر نساء العالمين وأكثرهم عفة وطهرا فكيف بمن دونهن من بقية النساء وهن أولى بالإمتثال لأمر الله، كما قال تعالى ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً *وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .

ألا وإن الله تعالى قد نهى عن مقدمات الزنا وحرم كل سبب وسبيل يؤدي للوقوع في فاحشة الزنا،فنهى عن النظر الحرام ،ونهى عن اتباع الهوى والشيطان كما قال سبحانه وتعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) ، ونهى عن الاختلاط بين الرجال والنساء الذي هو أقوى السبل للوصول إلى الحرام فقال تعالى (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)، وكذلك نهى عن خروج المرأة من بيت أهلها أو بيت زوجها متعطرة،وعَدَّ من تفعل ذلك زانية، وهذا وجه من أوجه التبرج والسفور، لأن فيه فتنة عظيمة تطال قلوب الرجال،يقول عليه الصلاة والسلام ( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية) ورواه الحاكم وصححه ، فالسفور والتبرج بأنواعه معول هدم للقيم وفيه زوال لكثير من النعم ،وحلول للعذاب والنقم .

ولذلك كان على كل امرأة مسلمة أن تستجيب لأمر الله ورسول ،وأن تبتعد عن المخالفة والعصيان،فإن بقاءها في الدنيا قليل وإن بلغت مائة سنة ،وعودتها إلى الله محتمة ،والحساب بين يدي خالقها قائم، ألا وإن الجنة سلعة الله الغالية ليست لكل دعي يدعي الإمتثال وهو كاذب، أو يظهر الإيمان وهو مدلس، قال النبي صلى الله عليه وسلم  ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، فقالوا يا رسول الله : ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) رواه البخاري ، وقال عليه الصلاة والسلام محذرا ومتنبأ بما سيحصل آخر الزمان ومبينا شناعة التبرج والسفور وعاقبته الوخيمة، (سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ ، علي رُؤُسُهنِّ كأسنمةِ البُختِ ، العنوهُنَّ فإنهن الملعونات)  رواه أحمد بسند صحيح ، وقد عَرَّف أهل العلم الكاسيات العاريات بأنهن كاسيات في الصورة والمظهر ، عاريات في الحقيقة والمخبر ، لأنهن يلبسن ملابس لا تستر جسداً ولا تخفي عورة ، فالغرض من اللباس الستر فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عارياَ وهذا ينطبق تماماً على كل الملابس الضيقة والمفتوحة، ومعنى على رؤسهن كأسنمة البخت أي يصففن شعورهن من فوق رؤسهن حتى تصبح مثل سنام الجمل ، وهذا مشاهد وظاهر في أكثر نساء المسلمين اليوم.

مظاهر التبرج:

أولاً : لبس المرأة البنطلون :

 أفتى الشيخ صالح الفوزان ، عضو هيئة كبار العلماء ، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء بقوله :

(لا يجوز للمرأة أن تلبس ما فيه تشبه بالرجال أو تشبه بالكافرات ، وكذلك لا يجوز لها أن تلبس اللباس الضيق الذي يبين تقاطيع بدنها ويسبب الافتتان بها، والبناطيل فيها كل هذه المحاذير فلا يجوز لبسها).

وكما أفتى الشيخ صالح العثيمين أنه ( لا يجوز لبس البنطلون حتى لو كان البنطلون واسعاً فضفاضاً لأن تَمَيُّز رِجْل عن رِجْل يكون به شئ من عدم الستر، ولأن البنطال من لباس الرجال).

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بقولها :

( لبس المرأة للبنطلون الضيق المُفصِّل لجسدها حرام شرعاً وأن عقوبة التبرج والسفور في الآخرة عقوبة شديدة مثل عقوبة تارك الصلاة أو الزكاة، لأن الحجاب واجب شرعي ، والتبرج والسفور من الكبائر المحرمة شرعاً إذْ أنهما يؤديان إلى انتشار الفساد والفاحشة)، وفيه تشبه بالرجال وقد نهى  رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( لعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم : الرجلَ يلبسُ لِبْسَةَ المرأةِ ، والمرأةَ تلبس لِبْسَة الرجل)  رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وصححه الألباني ،وقال عليه الصلاة والسلام( ثلاثٌ لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه ، والمرأة المُتَرَجِّلة المتشبهة بالرجال ، والدَيُّوث ) رواه أحمد والنسائي بسند صحيح.

ثانياُ : المرأة تخرج متعطرة :

وهذا نوع من التبرج والسفور ،لما فيه من الفتنة وارتكاب المحرم، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وشدد فيه،قال عليه الصلاة والسلام( أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ، فمرت على قوم ليجدوا ريحها ؛ فهي زانية) رواه أبو داود  و النسائي بسند صحيح .

ثالثاً : المرأة ترقق حواجبها :

سواء بتحفيفها أو تخفيفها أو تحديدها أو إخفاءها أو تشقيرها أو أخذ شيء منها، فذلك داخل في لعنة الرسول صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام ( لعن الله الواشمات ، والمُستوشمات ، والنامصات ،والمُتنمصات ، والمُتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله) متفق عليه ، والشاهد من الحديث هو النامصة ، وهي من ترقق الحاجبين للنساء ، والمتنمصة: هي من يتم ترقيق حواجبها أو أي نوع مما ذكرناه آنفا.

رابعاً : خضوع  المرأة بصوتها أو التمايل والتنعم في مشيتها :

نهى الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم،ومقتضى النهي لهن خاصة ولنساء الأمة عامة عن تنعيم الصوت وترقيقه والخضوع به،لدرء الافتتان بها وجعلها عرضة للمحرم،وكذلك نهى سبحانه عن الضرب بالرجل في المشي بالخلخال (أو ما يعرف الأن بالكعب وما شابهه) حتى لا يُسمع صوتها وتُرى زينتها مما يعرضها للأذى والفتنة، كما قال عز وجل (يا نساء النبي لستُنَّ كأحد من النساء إن اتقيتُنَّ فلا تخضعنَ بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ،وقلن قولاً معروفاً)  الأحزاب 32 ،  وقال سبحانه( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) قال ابن كثير رحمه الله(المرأة منهية عن كل شئ يلفت النظر إليها أو يحرك شهوة الرجال نحوها).

خامساً : التبرج المُقَنَّع المسمى بـ(الحجاب العصري) :

ظهرت في هذا العصر أنواعا كثيرة تسمى ظلما وعدوانا بالحجاب الشرعي، وأُغرقت بها الأسواق وحاول أصحابها والمروجون لها كذبا وزورا إقناع النساء المسلمات بأنها حجاب شرعي ،تجمع فيه المرأة بين الحجاب العصري وإرضاء الوسط الاجتماعي الضاغط، ولما رأت بيوت الأزياء انتشار الحجاب الشرعي، خشيت على تجارتها الإفلاس فقامت بإغراق الأسواق بنماذج ممسوخةٍ من التبرج تحت اسم (الحجاب العصري) ومع مرور الوقت تفشت ظاهرة (التبرج المقنع) المسمى بالحجاب العصري، يحسب صويحباته أنهن خير البنات والزوجات ، وهذا غرور وتدليس من الشيطان وأعوانه ،وقد أخبر الله عنه وفضح كيده بقوله تعالى( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) الحجر 39 .

سادساً : أعلى أنواع التبرج كشف الوجه ؟

اتفق العلماء على وجوب تغطية الوجه وخصوصا في مثل هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن ، وكثر فيه النظر المحرم بين الجنسين ، ونحن لا ننكر الخلاف والجدل الذي دار ولا زال حول تغطية الوجه، ولكن الله جل وعلا أمر العباد أن يردوا مسائل الخلاف إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،وهذا من صلب الإيمان وأساسياته وفي ذلك خير كثير ونزع لفتيل الجدال والخلاف، كما قال عز وجل(ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء 59 ، وما أروع ما سطره الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله حول خلاف وجوب تغطية الوجه، وجمال الاستنباط وفهم الأدلة ومقاصد الشريعة فقال رحمه الله:

(القول الراجح في هذه المسألة: وجوب ستر الوجه عن الرجال الأجانب، لقول الله تعالى( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) سورة النور  31 ،ووجه الدلالة من الآية على وجوب الحجاب على المرأة ما يلي :

1- أن الله تعالى أمرالمؤمنات بحفظ فروجهن ، والأمر بحفظ الفرج أمرٌ بما يكون وسيلة إليه ، ولا يرتاب عاقل أن من وسائله تغطية الوجه لأن كشفه سبب للنظر إليها وتأمل محاسنها والتلذذ بذلك ، وبالتالي إلى الوصول والاتصال ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( العينان تزنيان وزناهما النظر ثم قال: والفرج يصدق ذلك أويكذبه) رواه البخاري  ومسلم ،فإذا كان تغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأموراً به لأن الوسائل لها أحكام المقاصد .

2 – قوله تعالى ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) والجيب هو فتحة الرأس والخمار ما تخمربه المرأة رأسها وتغطيه به ، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها إما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس ، فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة .

3- أن الله نهى عن إبداء الزينة مطلقاً إلا ما ظهر منها وهي التي لابد أن تظهر كظاهر الثياب ولذلك قال ( إلا ماظهر منها ) ولم يقل إلا ما أظهرن منها ، وقد فسر بعض السلف  كابن مسعود، والحسن ، وابن سيرين ، وغيرهم قوله تعالى ( إلاماظهر منها ) بالرداء والثياب ، وما يبدو من أسافل الثياب (أي اطراف الأعضاء ) ثم نهى مرة أُخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم فدل هذا على أنَّ الزينة الثانية غير الزينة الأُولى ، فالزينة الأُولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولايُمكن إخفاؤها والزينة الثانية هي الزينة الباطنة ( ومنه الوجه ) ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأُولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة .

4 – أن الله تعالى يُرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أُولي الإربة من الرجال وهم الخدم الذين لاشهوة لهم وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة ولم يطلع على عورات النساء فدل هذا على أمرين :

1- أن إبداء الزينة الباطنة لايحل لأحدٍ من الأجانب إلا لهذين الصنفين .

2- أن علة الحكم ومدارة على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها ، ولاريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة فيكون ستره واجباً لئلا يفتتن به أُولو الإربة من الرجال .

5 – قوله تعالى ( ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يُخفين من زينتهن ) يعني لا تضرب المرأة برجلها ليُعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرِجْـل ، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفاً من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه فكيف بكشف الوجه .

فأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالاً بقدم إمرأة لايدري ماهي وما جمالها ؟ ولايدري أشابة هي أم عجوز ؟ ولايدري أشوهاء هي أم حسناء ؟ أو ينظر إلى وجه جميل ممتلىء شباباً ونضارة وحسناً وجمالاً وتجميلاً بما يجلب الفتنة ويدعو إلى النظر إليها ؟ إن كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإخفاء .

ويقول تعالى ( وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) سورة النور  60 ،

ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى نفى الجناح وهو الإثم عن القواعد وهن العجاوز اللاتي لا يرجون نكاحاً لعدم رغبة الرجال بهن لكبر سنهن بشرط أن لا يكون الغرض من ذلك التبرج والزينة ، وتخصيص الحكم بهؤلاء العجائز دليل على أن الشواب اللاتي يرجون النكاح يخالفنهن في الحكم ولو كان الحكم شاملاً للجميع في جواز وضع الثياب ولبس درع ونحوه لم يكن لتخصيص القواعد فائدة .

ومن قوله تعالى ( غير متبرجات بزينة ) دليل آخر على وجوب الحجاب على الشابة التي ترجو النكاح لأن الغالب عليها إذا كشفت وجهها أنها تريد التبرج بالزينة وإظهار جمالها وتطلع الرجال لها ومدحها ونحو ذلك، ومن سوى هذه فنادر والنادر لاحكم له .

ويقول تعالى( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الأحزاب / 59 ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ( أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) ،وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء : إنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله رضي الله عنه : ويبدين عيناً واحدة إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين ،والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة.

ويقول تعالى ( لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) الأحزاب / 55 ،قال ابن كثير رحمه الله (لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بين أن هؤلاء الأقارب لايجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى ( ولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن)

 الأدلة من السنة على وجوب تغطية الوجه:

أولا:قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا خطب أحدكم إمرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لاتعلم)  رواه أحمد ، قال صاحب مجمع الزوائد : رجاله رجال الصحيح .

ووجه الدلالة منه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة بشرط أن يكون نظره للخطبة ، فدل هذا على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى الأجنبية بكل حال ، وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع ونحو ذلك .

فإن قيل : ليس في الحديث بيان ماينظر إليه ، فقد يكون المراد بذلك نظر الصدر والنحر ؟

فالجواب : أن كل أحد يعلم أن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه ، وما سواه تبع لا يُقصد غالباً فالخاطب إنما ينظر إلى الوجه لأنه المقصود بالذات لمريد الجمال بلا ريب .

ثانيا :أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن يا رسول الله إحدنا لا يكون لها جلباب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لتلبسها أُختها من جلبابها ) رواه البخاري ومسلم ،فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة أن لاتخرج المرأة إلا بجلباب وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج ، وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر والله أعلم .

ثالثا :ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحدٌ من الغلس ، وقالت : لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها ) ، وقد روى نحو هذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين :

أحدها : أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون وأكرمهم على الله عزوجل .

 

الثاني : أن عائشة أم المؤمنين وعبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما وناهيك بهما علماً وفقهاً وبصيرة أخبرا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو رأى من النساء ما رأياه لمنعهن من المساجد وهذا في زمان القرون المفضلة فكيف بزماننا !!

رابعا :عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْه ) رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه أمرٌ معلوم عند نساء الصحابة رضي الله عنهم ، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب ، فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وماهو أولى منه بالحكم وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة ، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه .

خامسا :عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ) رواه أبو داوود .

ففي قولها ” فإذا حاذونا “تعني الركبان ” سدلت إحدانا جلبابها على وجهها ” دليل على وجوب ستر الوجه لأن المشروع في الإحرام كشفه فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذٍ لوجب بقاؤه مكشوفاً حتى مع مرور الركبان .

وبيان ذلك : أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم والواجب لايعارضه إلا ما هو واجب فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عند الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما : أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفازين .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن .

 

ومن الأدلة المعتبرة بعد الكتاب والسنة :

الاعتبار الصحيح والقياس المطرد: الذي جاءت به هذه الشريعة الكاملة وهو إقرار المصالح ووسائلها والحث عليها ، وإنكار المفاسد ووسائلها والزجر عنها .

وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها للرجال الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة ، وإن قدر أن فيه مصلحة فهي يسيرة منغمرة في جانب المفاسد ، فمن مفاسده :

 

1- الفتنة ، فإن المرأة تفتن نفسها بفعل ما يجمل وجهها ويُبهيه ويظهره بالمظهر الفاتن ، وهذا من أكبر دواعي الشر والفساد .

2- زوال الحياء عن المرأة الذي هو من الإيمان ومن مقتضيات فطرتها ، فقد كانت المرأة مضرب المثل في الحياء فيقال (أشد حياءً من العذراء في خدرها ) وزوال الحياء عن المرأة نقص في إيمانها وخروج عن الفطرة التي خلقت عليها .

3- افتتان الرجال بها لاسيما إذا كانت جميلة وحصل منها تملق وضحك ومداعبة كما يحصل من كثير من السافرات ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .

4- اختلاط النساء بالرجال فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه والتجول سافرة لم يحصل منها حياءٌ ولا خجل من مزاحمة الرجال ، وفي ذلك فتنة كبيرة وفساد عريض ، فعَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .

والخلاصة : أن التبرج والسفور من الأمور المحرمة ،وهو في هذه الأزمنة أشد مما كان في الجاهلية قبل الإسلام ، لتوفر مصادره ومشاربه ومعاول الهدم والإفساد التي تعين على تفشيه وانتشارها بين نساء المسلمين ، ولذلك يجب على المرأة المسلمة أن تتقي الله عز وجل ، وأن تمتثل أمر ربها جل وعلا ،وأن لا تسمع لأبواق الشر والبوار، وأن تعلم أن مقامها في الدنيا قليل وإن طال بها المُقام ،وستعود إلى خالقها وتُقابل بأعمالها في يوم لا يغني فيه أحد عن أحد، وأن تلتزم بالحجاب الشرعي طاعة لخالقها سبحانه جل وعلا ومتابعة لنبيها صلى الله عليه وسلم، وأن لا تغتر بأبواق الشر والفساد في الداخل والخارج فما يريدون لها إلا ضياع دينها وعفتها وكرامتها وحياءها، وعلى أولياء أمور النساء أن يتقوا الله في من ولاهم الله أمرهم فالكل راع وهو مسئول يوم القيامة عما استرعاهم الله عليه ،وكل سيسأل عن الأمانات التي كُلف بها كما قال عز وجل(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم 6 ، وليحذر المسلم من أن يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) متفق عليه ، نسأل الله تعالى أن يحفظ نساءنا ونساء المسلمين من كل بلاء وفتنة  وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *