الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
إن من نعم الله على عباده أن يسر لهم سُبل التواصل والاتصال، بعد معاناة كبيرة في سنوات مضت، إذ كان المرء يقطع مسافات طويلة إلى المدن، ليجد هاتفاً ثابتاً وبرسوم مادية ليتواصل مع أقربائه وأصحابه هنا وهناك، وأما الآن فأصبح كل واحد من الناس ، ذكراً كان أم أنثى، صغيرا كان أم كبيراً ، يحمل الهاتف النقال في جيبه، يتواصل مع من شاء، ويجوب العالم من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه بهذا الجهاز الصغير، متوفراً فيه كل ما يريد.
ومع وجود هذه النعمة إلا أنها قد تنقلب نقمة وبلاء على أصحابها، بسوء التصرف، وعبث الاستعمال.
والجوال من وسائل الخير والشر، ويبقى صاحبه هو المُسَيِّر له إما للخير وإما للشر، ومع الأسف الشديد من ينظر إلى واقع الناس اليوم يجد السواد الأعظم منهم يُسَيره فيما ساء من القول
والعمل، غير مكترث بسوء النتائج، وشر العاقبة، فيجني من الآفات الشرعية والأخلاقية والاجتماعية مالا حصر له.
ولو أردنا حصر آفات الجوال وسوء استخدامه، لم نصل إلى حصرها، ولكننا نأتي على ما يكون في الغالب منها، حتى يحذرها الناس فيبتعدوا عنها، ويتقوا شرها وشررها، ومن ذلك:
الجَوال السَارِق الخَفِي :
الجوال يعبث بحياة الناس وأوقاتهم برضاهم واختيارهم، بما يحمله من ملهيات وبرامج ، ويؤثر سلباً على مجريات حياتهم، ويُدخل الناس في حالة من الإدمان التي يصعب التخلص منها، ويقطع حبال التواصل الاجتماعي حتى بين الأسرة الواحدة، ويُشتت الأذهان، ويُضعف التركيز.
وقد يتسنى لنا وخصوصاً في هذه الأزمنة أن نقول إن الجوال بقوة تأثيره ، أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس، يجعلهم يقضون وقتًا طويلًا على الشاشة ويتجاهلون واجباتهم ومسؤولياتهم.
يقول أحد الفضلاء: ما رأيت سارقا للوقت مثل الجوال فاحذروه !. وهذا واقع مؤلم فهو أشد سرقة من سارق الأموال وقاطع الطريق، لأنه يُضيع على المرء أغلى ما يملك وهو وقته وعمره. وفي الغرب منبع التقنية وصناعة الهواتف والأجهزة الذكية، يقول ماركوس غيلروي وير -وهو مدرس الثقافات الرقمية في جامعة غرب إنجلترا(كيف سمحنا لأنفسنا بأن تتحكم فينا هذه الأجهزة بهذه الدرجة الكبيرة، وكيف أصبحت مغرية بهذه القوة بحيث لا يمكننا الاستغناء عنها، ويقول في موضع آخر: إن نظرة إلى ركاب قطار تجعلك ترى أن من ينهمكون في هواتفهم يمثلون العدد الأكبر، مما ينبهك إلى أن هذه الأجهزة تستخدم أدوات للإلهاء وهروب لحظي من الوجع الممل للحياة العصرية)[1].
قلت وهذا مشاهد في حياة الناس اليوم، لا يكاد الواحد منهم ينفك عن الجوال وتقليبه، حتى بلغ به الأمر أنه لا ينام إلا وهو عند رأسه، مع إدراكه لقوة تأثيره وما يحمله من ذبذبات وأشعة لها تأثيرها المباشر على أجهزة الجسم.
قد يقول قائل، وكيف يسرق الجوال أوقاتنا؟ ونقول إن من الأمور والتطبيقات التي يكتنفها الجوال، بما فيها من الصوتيات والمرئيات المؤثرة، والدعايات والإعلانات الجذابة، التي تستميل هوى المستخدم إليها بشكل قوي، تجعل المرء يتجاهل وقته ،وينسى عمره، ويغوص في غياهب هذه المؤثرات دون وعي أو إدراك. ومن ذلك:
– الإشعارات والرسائل المستمرة، التي تستميل وتجذب انتباه المرء وتقطع تركيزه، ويترك ما بيده ومن حوله مهما كان، وينصرف إليها حتى وإن كانت لا تستحق الاهتمام ولا ترقى إلى مستوى التوقف، وقد يكون الكثير منها لا تعنيه فلماذا يصرف العمر والوقت لها؟
– التوغل في التطبيقات الخاصة بالفيديوهات كاليوتيوب والإنستغرام والتيك توك وغيرها مما يحدوا بالمتابع لها إلى التوغل والمشاهدة بدافع طرد الملل( كالمستجير من الرمضاء بالنار) فتذهب ساعات ومصالح وأعمار بلا فائدة تُذكر، وإذا كان المُشَاهَد لا يُرضي الله فالوزر أعظم، والملل قائم والندم شديد.
وليتذكر من يتوغل في مشاهدة كل هابط وسيء من الأفلام والمصورات قول الله عز وجل( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)[2]،قال الإمام الطبري رحمه الله(إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم ، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحقّ)[3].
– الإغراق في الترفيه اللحظي ، كمشاهدة المقاطع القصيرة، أو الألعاب التي عَمَّت وطَمَّت وانتشرت بين الصغير والكبير والذكر والأنثى، التي تَبدَّدت بها الأوقات، وضاعت بها الأعمار، وتعطلت بها المصالح، وتبلدت معها العقول، وعُطِّلت معها الألسن عن ذكر الله، وماتت بها الأبدان بالتعب والكسل ووهن البدن. وحَرِي بكل عاقل أن يحذر هذه الفتنة التي افتتن بها كثير من الناس، وحالت بينهم وبين ما خُلِقوا من أجله، وصرفتهم عما يقربهم من معبودهم عز وجل، وانزلتهم منازل السفاهة والضياع، وأنستهم ذكر الله عز وجل، فشابهوا من قال الله فيهم( نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)، (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ) قال ابن كثير رحمه الله(أي : نسوا ذكر الله ، ( فنسيهم ) أي : عاملهم معاملة من نسيهم)[4] . – الرسائل التي لا ترقى إلى مقام الاهتمام، وهذه مما تضيع معها المهام ، ويتشتت الذهن، ويضعف الإنتاج، وهذا مشاهد بين الناس فعندما يكون المرء في أمر وعمل ذي بال، وتأتيه رسالة أو دعاية ليست في الاهتمام من شيء، يترك مهامه فوراً وينصرف إليها، ثم يعود وقد انقطع حبل التفكير، ونسي ما كان يعمله، فيعود من جديد، وقد لا يعود له ما يريد، فالأفكار إن لم تُغتنم ضاعت، وهذا ملاحظ في حياة العلم والعلماء. والعاقل لا ينصرف عن الفاضل إلى المفضول، ولا يترك ما بيده لأجل رسالة عابرة ، أو دعاية تجارية، أو مصورات هزلية، ولا ينصرف إلا لأمر هام جداً، وليحفظ وقته وعمره وجهده.
الجَوَّالُ عَدُو الصِحَّة :
للجوال دور كبير في الإضرار بالصحة العامة للجسد، وأن الإفراط في استخدامه يسبب أمراضاً شتى منها ما يتصل بالقلب والأوعية الدموية، ومنها ما يتصل بالعينين والأمراض النفسية والعصبية، وقد أثبتت دراسات وتجارب طبية أن الإفراط في استخدام الجوال يسبب أمراضاً تصل في كثير من الأحيان إلى حد الخطورة، يقول الدكتور يانجون تشانغ، من قسم أمراض الكلى في مستشفى نانفانغ التابع لجامعة الطب الجنوبية في غوانغتشو الصينية(إن استخدام الهاتف المحمول هو تعرض منتشر في المجتمع الحديث، لذا فإن استكشاف تأثيره على الصحة له قيمة صحية عامة كبيرة، وتسبب المجالات الكهرومغناطيسية ذات التردد اللاسلكي (RF-EMF) المنبعثة من الهواتف المحمولة خللا في المحور الوطائي-النخامي-الكظري، والاستجابات الالتهابية، والإجهاد التأكسدي، وبالتالي من المتوقع أن تؤثر على مجموعة متنوعة من الأعضاء مثل القلب والأوعية الدموية) ويقول الباحث زيليانغ يي، من قسم أمراض الكلى في ذات المستشفى(كنا نهدف إلى تقييم الارتباط المحتمل بين الاستخدام المنتظم للهاتف المحمول وأمراض القلب والأوعية الدموية واستكشاف التأثيرات الوسيطة للنوم والصحة العقلية، وقد وجدنا أنه بالمقارنة مع مستخدمي الهاتف المحمول غير المنتظمين، فإن مستخدمي الهاتف المحمول المنتظمين لديهم خطر أعلى بكثير للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية)[5].
وللجوال آثار سيئة على جوانب أخرى من الصحة الجسدية ومن ذلك :
– ضرره على العينين :
وضرره على العينين لا يخفى على كل ذي لُب وذلك بإجهادهما بكثرة التحديق والمشاهدة والقراءة المركزة دون إعطائهما الراحة المطلوبة لاستعادة نشاطهما وخصوصاً في الظلام، وهذا الضرر ينشأ عنه إضعاف البصر، وتشويش الرؤيا، مما يسبب الصداع والآلام، ولذلك نشاهد الجمع الغفير من الناس اليوم، وخصوصا في صفوف الشباب وصغار السن، يرتدون النظارات على اختلاف أحجامها وقياساتها، بسبب المطالعة المستمرة والتأثير المباشر من الإشعاعات وقوة الألوان، خصوصاً عند ممارسة مطالعة الألعاب الالكترونية والتركيز فيها.
وقد حُصِرت أضرار الجوال على العينين في مجموعة من الأضرار، ومنها :
– للأشعة الصادرة عن الجوال تأثير خطير على الشبكية والقرنية في العين، وبالتالي تتسبب في مشكلات خطيرة على المدى الطويل، يقول المختصون في أمراض العيون(يتم امتصاص معظم الأشعة الصادرة عن الهواتف المحمولة للشبكية مرورًا بالعدسة والقرنية، ممّا يسبب ضررًا على خلايا الشبكية ويسبب التنكس البقعي (Macular Degeneration) على المدى الطويل، ممّا يسبب مشكلات خطيرة في النظر، ويُعَد تقليل قدرة العين على الرؤية بعيدة المدى أو ما يُعرف بقُصر النظر (Nearsightedness) ومن أبرز أضرار الهاتف المحمول على العين وخاصة عند الأطفال، حيث يكون ضرر الضوء الأزرق أكبر على الأطفال، لأن أعينهم تعمل على امتصاص الضوء الأزرق بشكل أكبر)[6].
ومما سبق ذكره يتبين الضرر الفادح على العينين من كثرة مطالعة الجوال لفترات طويلة دون إعطاء الراحة الكافية للنظر لاستعادة
نشاطه وقوته. والجوال يُصدر إشعاعات ضوئية زرقاء تؤثر مباشرة على صحة العينين وخصوصاً في الظلام، وينتج عن ذلك آلاما وإجهادا ودموعا للعينين، ومشاكل في الرؤيا، بما يصاحبها من آلام وصداع وحرقان، لذلك من الأفضل تجنب استخدام الهاتف قبل النوم للحفاظ على صحة العين ومنع أي مشاكل محتملة.
ولا تظهر نتائج الاستخدام المفرط إلا على فترات طويلة، مما يحصل به الندم ويدخل صاحبه سراديب الأدوية والعلاج.
والعينان من أعظم نعم الله على العبد، يقرأ بهما كتابه، ويُطالع بهما مخلوقاته، ويتفكر في آياته، فهما ليستا مجرد أعضاء حسية، بل هما إحدى أعظم نعم الله علينا، تتيح لنا رؤية العالم بألوانه وأشكاله، كما قال تعالى(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)[7]، وقال عز وجل(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)[8]،وهما سبب النجاة من النار، كما قال صلى الله عليه وسلم(عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)[9]،فحري بكل عاقل أن يحافظ عليهما ولا ينتظر ساعة ولات حين مندم.
– تأثيره القوي عل صحة النوم :
للجوال تأثيره القوي على صحة النوم، فيُشَكِّل اضطرابات النوم، ويبعث على القلق والإجهاد واضطرابات النفس، ويؤثر سلباَ على فقرات الظهر والرقبة، كما أن استخدامه قبل النوم من العادات السيئة التي يمكن أن تؤثر سلبًا على نمط النوم، إذ يعمل تصفحه على تنشيط العقل ومنعه من الاسترخاء والاستعداد للنوم.
كما أن التعرض للضوء الأزرق المنبعث من شاشة الجوال، يُعَطِّل إنتاج هرمون الميلاتونين الطبيعي الذي يفرزه الجسم للمساعدة على الاسترخاء والنوم، وانخفاضه يؤدي إلى تعسر النوم وحدوث الأرق. كما أن استخدام الجوال ومطالعته قبل النوم يثير التوتر والقلق بما يحويه من المحتويات العاطفية والمرهقة، والأخبار السيئة ، وهذا يقلل من قدرة المرء على النوم، ويسبب اضطراب النوم وتعسره.
ولكي يتمتع المرء بنوم هادئ خالٍ من الإزعاج ، ينبغي له إغلاق الجوال أو تصميته أو إبعاده عن موضع نومه ولا يلتفت لأي رسائل أو إشعارات لضررها على صحة النوم وتأخيره.
كما أن استخدام الجوال قبل النوم يسبب كثيرا من حالات الاكتئاب ، وذلك بسبب الانهماك في محتوى سلبي تضطرب معه النفس، ويظهر القلق والتوتر، فتقل جودة النوم ،وتظهر أعراض الاكتئاب، ولا سيما عندما تتكرر الحالة، ويزداد استخدام الجوال قبل النوم، والواقع شاهد بذلك.
ومن العجيب أن الكثير من الناس خصوصا الشباب والفتيات منهم، يعمدون إلى وضع الجوال تحت الوسادة أثناء النوم، أو وضعه بجوار الوسادة، وهذه عادة سيئة، وفيها من الخطورة الشيء الكثير، ومع ذلك لا يكترثون لما قد يسببه ذلك لهم من مشاكل تجر الندم والحسرة.
والسلامة من ذلك كله اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فهو خير هدي تُتَقى معه كل الأخطار، وينعم المرء معه بنوم صحي هادئ لا قلق فيه ولا تنغيص، فلقد حث عليه الصلاة والسلام أمته على النوم مبكراً، لأن النوم أول الليل فيه عون على قيام الليل وأعمال النهار، وفيه يأخذ الجسم كامل راحته واستعادة نشاطه، وقد أثِر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام أول الليل بعد العشاء ،ويقوم أوسطه ،وينام آخره قبل صلاة الفجر، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (بِتُّ في بَيْتِ خَالَتي مَيْمُونَةَ بنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَهَا في لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إلى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: نَامَ الغُلَيِّمُ أوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عن يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ)[10].
وكان يكره النوم قبل العشاء ويكره الحديث بعدها[11] ، قال ابن القيم رحمه الله( مَنْ تَدَبَّرَ نَوْمَهُ وَيَقَظَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهُ أَعْدَلَ نَوْمٍ، وَأَنْفَعَهُ لِلْبَدَنِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى، فَإِنَّهُ كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي، فَيَقُومُ وَيَسْتَاكُ، وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، فَيَأْخُذُ الْبَدَنُ وَالْأَعْضَاءُ، وَالْقُوَى حَظَّهَا مِنَ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ، وَحَظَّهَا مِنَ الرِّيَاضَةِ مَعَ وُفُورِ الْأَجْرِ، وَهَذَا غَايَةُ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[12] .
ونوم الليل هو أنفع ما يكون للجسم والبدن، ونوم النهار رديء، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره، قال ابن القيم رحمه الله( وَنَوْمُ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ وَالنَّوَازِلَ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ، وَيُورِثُ الطِّحَالَ، وَيُرْخِي الْعَصَبَ، وَيُكْسِلُ، وَيُضْعِفُ الشَّهْوَةَ إِلَّا فِي الصَّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ، وَأَرْدَؤُهُ نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَرْدَأُ مِنْهُ النَّوْمُ آخِرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ)[13] .
واستخدام الجوال قبل النوم والإفراط فيه، ينافي آداب النوم النبوية، من وضوء وأذكار كآية الكرسي وآخر البقرة والمعوذتين والإخلاص والأدعية، والنوم على الشق الأيمن ، والجوال سبب في ضياعها، ومن فاتته فاته خير كثير، وزال حجاب الحماية بينه وبين أذية الشياطين، ومن ثم تضيع الفرائض والمصالح.
– تأثير الجوال على السمع :
وهذه من المآسي التي أحدثها الإفراط في استخدام الجوال، وذلك باستخدام السماعات وخاصة الرديء منها والأقل ثمناً، فلها تأثير قوي في إضعاف السمع، ولذلك يُحذر الأطباء دائماً من الإفراط في استخدامها.
ونحن نعلم أن ضعف السمع إنما يكون عند كبر السن والشيخوخة وهذا أمر طبيعي، ولكن ما يحصل الآن من شكاوى الناس صغاراً وكباراً من آلام الأذن وضعف السمع والتباس الأصوات، وكثرة زيارات عيادات الأذن، وضعف الاستجابة للنداء مبكراً، لأمر يدعو إلى العجب، بل إلى القلق، إذ كان ذلك بمحض إرادتهم وتعمدهم بتدمير سمعهم في أوقات مبكرة من العمر.
ولقد أثبت الطب هذه الظاهرة بأن الاستخدام المفرط للجوال، خاصة مع مستويات الصوت العالية، يتسبب في ضعف السمع الدائم وتلف خلايا الأذن الداخلية، بالإضافة إلى حدوث طنين الأذن، كما يتسبب الضرر في تلف خلايا الشعر الحساسة في الأذن الداخلية، وهو ضرر لا يمكن علاجه، ولتجنب ذلك، يجب تقليل مدة الاستخدام، وتجنب الأصوات العالية، والابتعاد عن السماعات المؤذية الشديدة الصوت.
وقد تصل شدة صوت ما يستمع له الشباب من أصوات وصخب عالية عبر سماعات الأذن لحوالي 80 ديسيبل ( وحدة قياس الصوت ) أي ما يقرب في شدته الصخب الناتج عن العمل داخل المصانع التي تفرض على عمالها استخدام واقي الأذن.
وبالرغم أن هناك خاصية التنبيه في الجوال لمستويات الصوت إذا بلغت درجة معينة، إلا أن الكثيرين لا يكترثون لذلك لهوى غلب على النفس في الاستمتاع بأصوات صاخبة.
وقد لا يظهر الخطر والتأثر بداية، ولكن يحدث بالتدريج حتى يصل مرحلة الخطر التي تكون بداية العلاج ومراجعة العيادات الطبية ، ويؤكد دكتور الأنف والأذن والحنجرة جون مارتن هيمبل أن التعرض للصخب لفترات طويلة يؤدى على المدى البعيد إلى حدوث تراكم يُلْحق ضررا بحاسة السمع، ويُحذر هيمبل من أنه عند الإصابة بضعف السمع لا يمكن علاجه بأي طريقة وحينها سيضطر المريض إلى استخدام أجهزة سمع طبية، ولكن لا توجد سماعات طبية قادرة على إعادة قوة السمع بدرجة كاملة كما كانت من قبل، ولهذا ينبغي تجنب الأسباب المؤدية للإصابة بضعف السمع)[14].
وقد جاء الإسلام بحفظ القوى البدنية والحواس الجسدية، وحرم كل ما يُلحق الضرر بها ، وجعل صلاح الإنسان وفساده بها، بل وجعلها محلاً للسؤال يوم القيامة، لمن ضيعها واستخدمها فيما يخالف شرع الله وهديه، كما قال عز وجل( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)[15]، قال ابن كثير رحمه الله(أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها)[16] ، وقال السعدي رحمه الله(فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما يكرهه الله تعالى)[17].
وقال عز وجل(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[18]، وقال سبحانه(وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[19]، ولا خلاف بين أهل العلم في حرمة إيذاء الإنسان لنفسه، أو إضراره بها، أو فعل أي شيء يعرضها للهلاك والأذى، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم(من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ( أي يطعن بها نفسه) بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا، فقتل نفسه، فهو يتحساه (أي يشربه) في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل، فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)[20]، والجزاء من جنس العمل.
وقال عليه الصلاة والسلام( لا ضرر ولا ضرار)[21]، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله(لا ضرر، ولا ضرار، أنه لا يجوز إبقاء الضرر، وأن الضرر منتفٍ شرعاً فكل شيء فيه ضرر فإنه يجب إزالته، لأن الضرر مدفوع شرعاً وعقلاً، ولا يمكن للعاقل أن يقره، ولا للشريعة الإسلامية أن تقره)[22]، وإذا كان الصائم في رمضان ،إذا خشي هلاكًا بما يلحقه من العطش، أو المرض، وجب عليه الإفطار، وهو عبادة وطاعة، فكيف بمن يتعمد الضرر على نفسه وبدنه ويهلكها؟ .
والحاصل ، أن محافظة الإنسان على جسمه وحواسه، وسلامتها مما يؤذيها[23] لا خلاف فيها بين أهل العلم، وأن ذلك واجب عليه.
الجَوَّالُ بَوَابَةُ الإِدْمَان :
الاستخدام المفرط للجوال يقود المرء إلى الإدمان الذي لا يمكن التخلص منه بسهولة، إذ أن عوامل الجذب وخصوصاً فيما يخص التواصل الاجتماعي، وفي أفلام الألعاب المتنوعة، تجعل المرء يتعلق بها ، وخصوصاً في جانب الشباب والفتيات والنشء الصاعد.
وهذا الإدمان يقود إلى الكثير من الأمراض النفسية والعصبية، وضياع الأوقات التي هي حصيلة عمر الإنسان، فإن لم يتيقظ الآباء والأمهات، والشباب والشابات ،فسيقعون في مشاكل لا حصر لها، وقد يصعب علاجها والتخلص منها.
والعاقل لا يجعل من نفسه وبدنه وصحته وعمره ضحية لهذه التقنية التي جاءت للضروريات فقط، وبشكل معتدل.
الجَوَالُ يُعَطِّل اللِّسَان عَن ذِكْرِ الله :
للجوال دور كبير في تعطيل اللسان عن ذكر الله، وقطع الصلة بين المسلم وبين خالقه جل وعلا، وذلك من خلال إشغال القلب واللسان باللغو واللهو والباطل، ومشاهدة كل ما يضر ولا ينفع، والانغماس في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يقلل من فرصه في استغلال وقته في الذكر والتقرب إلى الله، قال ابن القيم رحمه الله(من عوّد لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ، ومن يبس لسانه عن ذكر الله ترطب بكل باطل ولغو وفحش)[24].
وذكر الله مأمور به في كل حال، سواء كان الذاكر قائماً أو قاعداً أو مستلقياً، وهو من أعلى العبادات ، وأزكى الطاعات، كما قال عز وجل في صفات العقلاء المؤمنين(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[25] ، قال قتادة رضي الله عنه (وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا)[26] ، وقال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[27] ، إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على ذكر الله في كل وقت وحين، فلا يفتر لسان الذاكر عن الذكر، وعن عبد الله بن بُسْر، رضي الله عنه، أنَّ رجلاً قالَ: يا رسول الله إنَّ شرائع الإِسلام قد كثرتْ عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر اللَّهِ تَعالى)[28]، وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكَّة فمرَّ على جبلٍ يقال له جمدان، فقال: (سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله، قال(الذاكرون الله كثيرا، والذاكرات)[29]، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى)[30].
فليكن العاقل على حذر من السارق الخفي(الجوال) الذي يسرق الأوقات والأعمار وهي أغلى ما يملك في الحياة، فلا يعطي الجوال أكثر مما يستحق، ويشغل نفسه بما لا طائل من ورائه.
الجَوَالُ بَوابَةُ العُقُوق :
للجوال دور مشاهد في عقوق كثير من الأبناء والبنات لآبائهم وأمهاتهم، فقد أصبح سبباً قوياً من أسباب إهمال الوالدين، وضعف التواصل معهم، أو تجاهل اتصالاتهم والتجاوب معها بشكل مباشر دون سبب شرعي ، أو الاشتغال بالجوال أثناء الجلوس معهم وتجاهل وجودهما، وهذا منتشر في هذا الزمن بشكل كبير، مما شكَّل نوعاً منفرداً من أنواع العقوق، وهذا النوع من العقوق يأخذ صوراً شتى ومنها:
– عندما يتصل أحد الوالدين بابنه أو ابنته فلا يرد على الاتصال بحجة الانشغال بعمل أو أمر ما، بينما لو اتصل صاحب أو زميل لسارع بالرد، وهذا عين العقوق والتجاهل لحق الوالدين.
– إهمال التواصل مع الوالدين والسؤال عنهما وتفقدهما، وهذا تجاهل وغمط لحقهما، فيقضي أحد الأبناء مع أصحابه على الهاتف من الوقت مالا يقضيه مع والديه، وهذا الأمر مؤسف جدا وباب إلى العقوق.
– يجلس الأبناء مع والديهم في مجلس واحد كل واحد يحمل الجوال وينشغل به عبثاً متجاهلا وجود والديه وكأنهما لا وجود لهما، وفي عزلة ووحدة مع أن الجميع في مجلس واحد، وهذا أيضاً جانب من جوانب العقوق، وفيه قهر وحزن للوالدين وغمط لحقهما، وإضعاف لجوانب البر والعلاقة والصلة.
تغليب الجوال على مصالح الوالدين :
من المقرر أن الوالدين لا يستغنيا أبداً عن مساعدة ورعاية الأبناء خصوصاً عند كِبَر السن، سواء كان الجميع في مجلس واحد، أو متفرقين، فإن خدمتهما والسهر على راحتهما، وقضاء حوائجهما، من الأمور المفروضة على الأبناء، وتنكر ذلك يُعتبر من العقوق والظلم.
إذا كان الابن أو الابنة مشغولان بالجوال، في الوقت الذي يحتاج فيه الوالدان إلى المساعدة أو الرعاية أو الحاجة، وتأخرا في تلبيتها، فإن ذلك يُعدّ عقوقاً، وأن عليهما شرعا سرعة إجابة الوالدين وقضاء حوائجهما.
والمطلوب من الأبناء أن يعو ويدركوا أن حق الوالدين عظيم، وطاعتهما في غير معصية الله واجبة، ولذلك قرن الله طاعته بطاعة الوالدين، لعظم قدرهما، وعلو شأنهما، وعظيم حقهما، كما قال عز وجل( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[31]، قال الإمام الطبري رحمه الله(وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا)[32] .
ألا فليحذر الأبناء من سوء التصرفات وسوء العاقبة، وليعلموا أن التلهي بالجوال في حضرة الوالدين، أو الانشغال به عن خدمتهما يعتبر من العقوق، وإذا كان الله قد نهى أن يقال لهما كلمة(أف)( فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ)[33]، فكيف بتجاهلهما وغمط حقهما؟ فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(بابانِ مُعجَّلانِ عُقوبتُهما في الدنيا : البَغْيُ ، والعقُوقُ)[34].
الجَوَالُ وتَدَني العَقْل البَشَرِي إِلى مُسْتَوى التُفَاهَات :
من المفترض أن العاقل يترفع عن أن يغذي عقله وقلبه بتفاهات وسائل التواصل، وفي طليعتها الجوال ،لأن الكثير مما ينشر من المحتويات لا تستحق أدنى اهتمام، ولا يُضَيع الوقت الثمين في متابعتها والنظر فيها، كالرسائل والدعايات والأحداث المثيرة الجذابة، والفكاهات المليئة بالكذب، التي من شأنها تبديد الطاقة العقلية والبدنية، وإضعاف الاهتمام بمعالي الأمور، وأورثت العجز والوهن والتشتيت في الأبدان والأفكار والطاقات، وصَرفت الكثيرين عما خُلِقوا من أجله، وأوقعت مستخدميها في الإدمان الذي قد يصعب معالجته والبعد عنه، وتؤدي إلى إشغال العقل بالتفاهات من خلال تشجيع التفكير السريع والسطحي، وتشتيت الانتباه عن المهام المهمة، وتقليل القدرة على التفكير التأملي، كما أنها تساهم في خلق ثقافة التفاهة التي تركز على المحتوى السطحي بدلاً من المفاهيم العميقة، فترى مستخدميها سطحيون في تفكيرهم وثقافتهم وفهمهم.
ومن ناحية أخرى ،خرَّجت مواقع التواصل الاجتماعي شخصيات لا تملك أية موهبة ولا حتى تحصيل علمي يُعتَمد عليه، شخصيات بمحتوى سطحي ومظهر خارجي وهاج لم نعهده من قبل، يُقَدمون كل التفاهات، كل يوم يطالعنا أشخاص يتصدرون الأرقام والمتابعات العالية (الترند)، انتشرت هذه الظاهرة كالنار في الهشيم حتى أصبحت التفاهة مهنة يسترزق منها هؤلاء الذين أصبح يطلق عليهم لقب (مشاهير أو (مؤثرين) حتى أصبحوا (رموزاً) إعلامية، وقدوات سيئة.
ومع الأسف الشديد ينجرف الكثير من الناس وراءهم، مصدقين بمقالهم وأفعالهم، مُعجبين بصورهم ومظاهرهم دون وعي أو إدراك، وكأن الحق يجري على ألسنتهم، كما قال عز وجل( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ ….. )[35]، قال ابن كثير رحمه الله( أي كانوا
أي : كانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة ، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم ، وهم مع ذلك في غاية الضعف ، والخور ، والهلع ، والجزع ، والجبن)[36] .
والعاقل يصون عقله وتفكيره ووقته عن مجاراة هؤلاء، ولا يطالع محتوياتهم إلا في حال يرد عليهم ويصحح للناس أخطاءهم ومثالبهم، وإذا كان المرء يسعى جهده على حماية جسده وقلبه من الآفات المحسوسة، فمن باب أولى أن يحمي عقله وتفكيره ووقته مما يضر من المظاهر والأقوال والأفعال الضارة وهو أشد!
الجَوَالُ لِصُ الطَاقَة :
إن الناظر إلى أحوال المنهمكين والمسرفين في استخدام الجوال، يرى مدى استحواذه على قلوبهم وعقولهم بما يحويه من محتويات جذابة أورثتهم الإدمان، فأنستهم أجسادهم، وبددت طاقاتهم، وألبستهم ثياب الوهن والضعف والخمول، فلا يقوم المستخدم للجوال إلا وقد ثقل جسمه ووهن وتبددت طاقته ونشاطه، وفاته منافع كثيرة، وضَعُف تركيزه، واعتلت صحته، وأصابته آلام وأوجاع، وهام على وجهه نائماً، كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
ولذلك يجب التقنين من استخدام الجوال، والاقتصار على الضروريات، فإنما صُنع للأمور الضرورية لا للترف وتبديد الأعمار والأوقات، (لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه، فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه، فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه، من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه، فيمَ أبلاه؟)[37] .
الجَوَالُ والسِتْر المَهْتُوك :
حفظ الإسلام للأسرة والبيوت أسرارها، وحرم التجسس عليها وهتك أستارها، ونشر عوراتها، وتكشف أسرارها بأي وسيلة كانت، حفظاً للأعراض ، وصونا للأسرار، ودرءاً للإشكال.
فمن الظواهر السيئة التي عَمَّت وطمت في هذه الأزمنة ظاهرة
تسريب الصور والرسائل والكلام في المجالس دون أخذ الإذن من أصحابها، فالمجالس من الأمانات التي لا يجوز إفشاء أسرارها، وهتك أستارها، فالحديث الذي يكون في تلك المجالس، والتبسط والمزاح بين أصحابها، وحديث الرجل لأخيه في أمر من الأمور، أمانات لا يجوز إفشائها وتسريبها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال(إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة)[38]، ومعنى الحديث ، إذا أخبر رجلٌ غيرَه بخبرٍ، ثم التفت بحيث لا يريد أن يسمعه أحد غير الذي يخبره، فإن ذلك يكفي لأن يلتزم الذي أُخبر بهذا الخبر أن يخفيه، وإلم يقل له: هذا سر، ولا تفش هذا الخبر واكتمه، ونحو ذلك، لأن هذا فعل يغني عن القول، ولهذا الحديث فوائد عظيمة ومنها بيان وتأصيل أن كثمان الأسرار من الأمانات التي أُمِر المسلم بحفظها، وكذلك أن الحركة التي يَفْهم منها السامع المقصود تغني عن القول بذلك المقصود.
فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى ويستشعر مراقبته، ويتذكر دائمًا أن إفشاء أسرار الناس من الغدر والخيانة الذي توعده عليه الصلاة والسلام بالفضيحة أمام الأشهاد يوم القيامة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إن الغادر يقوم يوم القيامة ينصب له لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان)[39].
ومن الظواهر السيئة تكشف أسرار البيوت بتصوير بعض أفراد المنزل وعرضها في المجموعات الخاصة والتعليق عليها، بما لا يرضي
، أو تصوير الآباء والأمهات والأجداد والجدات من كبار السن ،أو تصوير المآدب والأطباق والسُفر ، في المناسبات الخاصة والعامة، رياء وسمعة، بما يوقع في شر مستطير من الحسد والنظرات والأمراض، التي يصعب الشفاء منها، أو قد تودي إلى الهلاك، وتسبب الفرقة والمشاكل وتُفَرق الأسر، وتشحن النفوس، وهذا مُشاهد على أرض الواقع.
بل من الناس من وصل بهم سوء الأدب إلى تصوير أصحابهم أو زملاءهم حال غفلة دون علم منهم في مقالب أو حركات مفاجئة وعرضها في مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الفكاهة والضحك، مما يسبب ضغائن النفوس، ووحر القلوب ، وثوران المكامن ،والمشاكل، والتقاطع.
وكذلك مما يوقع في الرياء والسمعة وطلب الشهرة، ما يفعله الكثير من الناس من تصوير زياراتهم للمرضى في المستشفيات، أو البيوت من الأقارب والأرحام والأصحاب، وفي ذلك حرج على المزور ونشر صوره وحالته في شبكة التواصل ، وهذا مما يسيء إليه وإن أبدى مجاملة للزائر.
والطامة الكبرى إذا دخل هذا التصوير في طور العبادة والطاعة من صلاة وحج وعمرة وصدقة، فما نشاهده بين الفينة والأخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي شاهد على تفشي هذا الأمر في الأمة عامة ، والمجتمع خاصة.
ومن ذلك تصوير المرء نفسه حال آدائه للحج والعمرة والطاعة، فيصور نفسه حال الطواف والسعي والدعاء ويعلق على ذلك بما ينافي روحانية الموقف والطاعة، وينشرها مباشرة على شبكة التواص الاجتماعي، وهذا بلا شك من الرياء والسمعة وصرف العبادة لغير الله، ومنافاة للإخلاص الذي هو أحد مرتكزات القبول، وقد كان السلف الصالح يجتهدون في إخفاء الطاعة والعبادة خوفا من الرياء المحبط للعمل.
ومن ذلك أيضا ما يفعله بعض الناس حال وجوده في مكة للحج أو العمرة فيقول أنا الآن في مكان كذا وكذا وانتهيت من عمل الطاعة الفلانية وما شابه ذلك، أو يقول أنا في زيارة لأقاربي وأرحامي أو لزيار فلان بالمستشفى وهكذا من الأمور التي توقع في الرياء والسمعة وطلب المديح والثناء وحب الظهور والشهرة، وهذا بلا شك ينافي الإخلاص الذي لا يكون إلا لله عز وجل، والرياء محبط للعمل يوم القيامة، كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)[40]، قال ابن كثير رحمه الله(فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية ، فهو باطل)[41].
والمسلم يربأ بنفسه عن كل ما يخدش إيمانه، ويلوث طاعته، ويحبط عمله، فما هو في الدنيا إلا عامل يرجو جزاء عمله عند لقاء ربه، فلا يُقبل على الله ببضاعة مزجاة قد لوثها معول الرياء.
ومما طفا على السطح في الآونة الأخيرة، مما ينشر من الأدعية الصوتية والمكتوبة بصوت مرسلها أو خط يده، لإخبار الناس أنه يدعو لنفسه أو لهم، وهذا ينافي دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب، فينتفع الداعي بأجر المثل، وينتفع المدعو له بدعاء أخيه، فلا يخالج ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب ثناء من الغير، بل إن الأمَرَّ من ذلك ما يُفعل من قبل الكثير من المسلمين اليوم وجعلها عملا ملازما له، فيقسم الأدعية على أيام الأسبوع، فيقول( اللهم في يوم السبت أو فجر السبت… ومثلها اللهم في يوم الأحد، أو الإثنين أو الجمعة أو بداية شهر كذا ونهاية شهر كذا…) مما لم يرد في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو عمل مبتدع لم نعلمه عن السلف، وكل عمل مبتدع لم يرد به دليل فهو مردود على صاحبه ولا يقبله الله(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)[42]، ناهيك عما يفعله الكثيرون عندما يساعدون الفقراء والمحتاجين بمال أو ما شابهه، فإنهم ومع الأسف لا يعطون حتى يُجْرون مع الفقير مقابلة علنية ونشرها عبر التواصل الاجتماعي والإطالة فيها، مع ما يكون في ذلك من إهانة للمحتاج ونشر أوضاعه .
ألا وإن الكلام ليطول حول الاستخدام السيء لجهاز الجوال إذ لم يَعُد وسيلة ضرورة، وهمزة وصل ، وإنما تجاوز بصاحبه إلى ما لا يُرضي، وخرج به صاحبه من حدود النفع إلى حدود الضرر، والعاقل الحصيف يعلم أن كل تصرفاته محسوبة، وسيسأل عنها في يوم تشيب له الرؤوس، وتَسْوَد فيه وجوه، ويندم فيه النادمون ، ويتحسر المتحسرون، ولكن بعد الفوات، فمن استحضر عظمة الموقف، وألم السؤال، أحسن التصرف، وراقب الله في السر والعلن(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)[43]، قال ابن كثير رحمه الله(أي : إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت ؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك ، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه ، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي)[44].
الجَوَالُ والتَفَكُك الأُسَرِي :
ساهم جهاز الجوال بشكل مباشر في تفكيك الأسرة الواحدة، بل تفريق المجتمع الواحد، حيث إن الاستخدام المفرط له بما فيه من برامج ومواقع جعله سبباً رئيسياً في التفكك الأسري المعاصر، حيث يؤدي إلى الانعزال الفردي بين الأسر ويُحْدث بما يُسمى (الخرس الزوجي) وهو انقطاع الحديث بين الزوجين والتهاء كل واحد منهما بنفسه في الجوال، وإهمال تربية الأبناء، والانعزال الاجتماعي داخل المنزل، مما يضعف الروابط العاطفية ويرفع معدلات الطلاق، وهذا من الوسائل التي ألغت التواصل بين الأسرة الواحدة، وبين الأقارب والأرحام.
فترى الأسرة الواحدة في مجلس واحد، ولكنهم متفرقون كل واحد في واد من أودية الكرة الأرضية الإلكترونية، يقلب نفسه بين البرامج والرسائل والدعايات واللعب، وقد يكون ما يطالعه مما لا يرضي الله تبارك وتعالى، فيفقد المجلس الأسري هيبته، وتسقط قيمته، ويُخيم عليه داء الصمت، وكأنهم من أُسَر متفرقة لا تربطهم رابطة الأسرة الواحدة، وتغيب التربية والتوجيه للأبناء والبنات، وتضيع أوقات العمر، وكلها على توافه لا تُذكر، وهذا مما أضل به إبليس عباد الله( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ..) ، ناهيك عن إشغالهم بالرسائل والمحادثات اليومية الغير هامة ولا ضرورة لها، وقد تكون وزرا على أصحابها، يقول جان كوم المدير التنفيذي للشركة المطورة لتطبيق المحادثة الفورية والرسائل النصية (واتساب) (إلى أن هناك 8 مليارات رسالة واردة و12 مليار رسالة صادرة كل يوم) ناهيك عن المحادثات والإرساليات في التطبيقات الأخرى، فكم يضيع من الأعمار والأوقات وفساد العقول والقدرات بهذا الكم الهائل في اليوم الواحد؟!!! .
إننا أمام خطر عظيم قد قض البناء السري، والمجتمع المسلم ،فهل من وقفة أسرية ومجتمعية حازمة لهذا الخطر المحدق؟ والأخطر من ذلك أن تعدى الجوال الحدود ليصد عن ذكر الله وعن الطاعة والعبادة، ويلهي العباد عن ربهم وخالقهم.
والعاقل الحذر يعلم يقينا لما خُلِق، وما المهمة التي أوجد على الأرض من أجلها، وأنه لا بد مغادر عنها، ومحاسب على ما عمل على ظهرها، فيحذر ولا يدع هذه الوسائل تضيع وقته وعمره، وتفقده ما يسمو به عند خالقه، ويرتقي به إلى درجات الصالحين، ويكون مع هذه الوسائل للضرورات فقط، ولنشر دعوة وخير، وتذكير للعباد بخالقهم جل وعلا.
الجَوَال بَرِيدُ الفِتْنَة :
فُتِن الكثير من المسلمين اليوم رجالا ونساء شبابا وفتيات صغاراً وكباراً بهذه الوسائل التواصلية، ومن أخطرها الجوال، الذي يعتبر من أعظم بريد للفتنة، ومن وسائل الشر التي عمت وطمت اليوم، فما من بيت اليوم إلا وهو يرتع فيه بأنواعه وقدراته، ينشر
الفتن، يُوصَف بأنه( المجرم الخفي) يثير الشهوات، ويوقع في الشكوك والشبهات، وصَرَف الكثيرين عن دينهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكم فسدت به من عقول، وكم ضاعت به من أعراض، وكم شُحِنت به من نفوس، وكم افْتُتِنت كثير من القلوب بفتن الدنيا وبهرجها بسبب الجوال، الذي سَهَّل الوصول إلى المحرمات، وينشر كل ما يزلزل العقيدة والأخلاق، يَنفث منه دعاة الضلال والفتنة سمومهم، وينشرون شبههم وأباطيلهم.
يُعِين على استشراب المعاصي، واقتراف الذنوب، قال بعض السلف(المعاصي بريد الكفر، كما أنّ القُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت)[45].
فللّهِ كم من ضحايا سقطت بسبب الجوال ووسائل التواصل الاجتماعي، وكم ندم النادمون وتحسر المتحسرون، ولكن بعد فوات الأوان، فهل من مُدِكر؟ .
الجَوَالُ والكًوارِث الفَرْدِية والأُسَرِية :
يسبب جهاز الجوال كوارث فردية وأسرية بسبب الاستخدام الخاطئ والتصرف المقيت، فكم حصل من مآسي وحوادث ذهبت من جرائها نفوس وهلكت أبدان، ففي شواحن الجوال قصص وعِبَر، وفي الصواعق والأمطار مآسي ونُذُر، فبين الفينة والأخرى، تطالعنا أخبار عن حرائق المنازل، وانفجارات الشواحن، والصعق الكهربائي، إما لرداءة الشواحن أو للاستخدام السيئ، مما يؤدي إلى حرارة مفرطة، وانهيار العزل الكهربائي، وحدوث مالا تُحمد عواقبه، تذهب من جرائها أنفس، وتَنْعَل أبدان، وتتضرر أطراف الجسد بما قد يصل إلى التشويه.
ففي حال هطول الأمطار، ترى الكثير من الناس تأخذهم نشوة الهوى فيخرجون للتصوير ونقل محتوى الأمطار للناس في وقت تكثر فيه البروق والصواعق، فتحصل الكوارث في الأنفس والأموال، وقد حصل من ذلك حوادث كثيرة لا تخفى على كل ذي لُب، والواجب على العاقل توخي الحذر وعدم الخروج واستعمال الجوال أثناء الأمطار كونه يحوي موجات كهرومغناطيسية جاذبة للبروق والصواعق.
الجَوَالُ وتَغْيِير خَلْق اللَّه :
ساهم جهاز الجوال بشكل كبير في التزيين للمعاصي وتغيير خلق الله وإيقاع الكثيرين في محرمات الله ومضاهاة خلقته لعباده، بما يضم من برامج وتطبيقات تساهم في تغيير الخلق والشكل إما للتسلية وإما للخداع والغش، وكلا الأمرين محرم، فإن كان للتسلية فهو تلاعب بخلق الله، وإن كان للخداع والغش فهو ظلم بواح، وقد حَرَّم الله تغيير خلقه في مخلوقاته وخصوصاً في بني البشر ، وبَيَّن أن ذلك من إضلال الشيطان لعباد الله وإيقاعهم في مخالفة أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال عز وجل عن إبليس(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا)[46]، قال العلامة السعدي رحمه الله({ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ْ} أي: عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم، وضلالا في العمل،( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ْ) أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون، وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال، وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم، { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ْ} أي: بتقطيع آذانها، وذلك كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنبه ببعض ذلك على جميعه، { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ْ} وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم، والوشر والنمص والتفلج للحسن، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن، وذلك يتضمن التسخط من خلقته والقدح في حكمته، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء مفطورين على قبول الحق وإيثاره، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشر والشرك والكفر والفسوق والعصيان)[47] .
وإذا كان ذلك التغيير في الوشم والوشر والنمص والتفلج للحسن، ونحو ذلك، فكيف بتغيير الوجه والملامح باستخدام الفلاتر وغيرها في التطبيقات كالسناب والتيك توك وغيرها من التطبيقات؟ويدخل في ذلك العمليات الجراحية في الوجه والجسد للتزيين دون حاجة ماسة وضرورية، كأن يكون هناك تشويه في الخلق أو تشويه طارئ حال تعرض للحرائق والحوادث، وما عداه فتزيين من الشيطان وتغيير لوجه الحقيقة.
وقد يسرت بعض التطبيقات كالسناب شات والتيك توك وغيرها الوصول إلى إغراء السفهاء من الناس بتغيير خلق الله، واستخدام الفلاتر لمضاهاة خلق الله، وتغيير ما فطرهم الله عليه
من الخَلْق الحسن، إما بصور حيوانات ،أو شياطين، أو غير ذلك للفكاهة والمزاح أو الإساءة لأحد الناس، وقد تسبب هذه الأفعال شحناء ومشاكل بين متعاطيها، وهذا كله من تزيين الشيطان لهم ومن غوايته، ومما حرمه الإسلام(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)[48] قال ابن كثير رحمه الله( لأزينن لهم ) أي : لذرية آدم – عليه السلام – ( في الأرض ) أي : أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها ، وأؤزهم إليها ، وأزعجهم إزعاجا)[49] .
ويدخل في ذلك ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي الذي يحول حركات الحيوانات إلى حركات بني البشر، ويُظهرها تتكلم كالبشر، وتعمل كما يعمل البشر، بمعنى يلبسونها خصائص ليست من فطرتها ولا خلقتها، وهذا من تغيير خلق الله، وهم يفعلون ذلك للتسلية وإضحاك البشر بالكذب والزور، وهذا منتشر بكثرة في بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي، وقد أفتى
الشيخ صالح الفوزان المفتي العام بتحريم ذلك وقال إنه من كيد الشيطان لإضلال الناس وإيقاعهم في المحرمات، وقد يكون هذا التغيير في البشر أنفسهم بحيث يجعلون الشخص يقوم بحركات منافية للأدب كالرقص وغيره، أو يجعلونه يتكلم بخلاف الحقيقة زورا وبهتاناً، وهذا كله مما حرمه الله عز وجل.
والمقصود ، أن الجوال سلاح ذو حدين، إما أن ينجوا به حامله وإما أن يهلك، والعاقل يراقب الله في سره وعلنه، ولا يجعل من الجوال دمارا لدينة وخُلقه، وأن ينظر دائما إلى العواقب، ولا يترك لنفسه الهوى والشيطان فتزل القدم بعد الثبات، فما جهاز الجوال إلا وسيلة لأحوال الضرورة، أو لنشر خير وتذكير للناس بالله، لا لتبديد الأوقات وقطع الأعمار في اللهو واللعب، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، وسلعة الله (الجنة) لا تُنال إلا بالتقى والإيمان والصبر والبعد عما يُغضب الله عز وجل. نسأل الله الثبات على دينه، والسير على خُطى نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يجنبنا مزالق الردى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[1] موقع الجزيرة نت الإلكتروني.
[2] سورة الإسراء 36.
[3] تفسير الطبري ص 285.
[4] تفسير ابن كثير ص 197.
[5] الموقع الالكتروني الصحي https://arabic.rt.com/health
[6] وللمزيد من الاطلاع ينظر الى الموقع الالكتروني https://www.webteb.com/articles
[7] سورة الملك 23.
[8] سورة البلد 8.
[9] رواه الترمذي وصححه الألباني.
[10] رواه البخاري.
[11] رواه الترمذي وصححه الألباني.
[12] زاد المعاد 4/219.
[13] زاد المعاد 4/221.
[14] ينظر موقع https://www.dw.com/ar/
[15] سورة الإسراء 36.
[16] تفسير ابن كثير ص 285.
[17] تفسير السعدي ص 285.
[18] سورة البقرة 195.
[19] سورة النساء 29.
[20] رواه البخاري ومسلم.
[21] رواه الحاكم ومالك في الموطأ.
[22] الموقع الرسمي للشيخ رحمه الله.
24] الوابل الصيب ص 99.
[25] سورة آل عمران 191.
[26] تفسير الإمام الطبري ص 75.
[27] سورة الأحزاب 41-42.
[28] رواه الترمذي بسند صحيح.
[29] رواه مسلم.
[30] رواه الترمذي.
[31] سورة الإسراء 23-24.
[32] تفسير الطبري ص 284.
[33] سورة الإسراء 23.
[34] رواه الحاكم وصححه الألباني.
[35] سورة المنافقون 4.
[36] تفسير ابن كثير ص 554.
[37] رواه الترمذي بسند صحيح.
[38] رواه الترمذي وحسنه الألباني.
[39] متفق عليه.
[40] سورة الفرقان 23.
[41] تفسير ابن كثير ص 362.
[42] رواه البخاري ومسلم.
[43] سورة الإسراء 13 – 14.
[44] تفسير ابن كثير ص 283.
[45] كتاب الداء والدواء ص 125 .
[46] سورة النساء 119.
[47] تفسير السعدي ص 97.
[48] سورة الحجر 39.
[49] تفسير ابن كثير ص 264.
