شناعة الحَلِفْ بغير الله….كفر وشرك…. د. ناجي بن وقدان

كفارة الحلف بغير الله | موقع البطاقة الدعوي الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد:

فإن من أشنع الانحراف العقدي عند المسلم الحلف بغير الله،تعظيما وتبجيلا للمحلوف به،ومضاهاة لغير الله بالله،ولا يكون التعظيم على وجه الحقيقة إلا لله تعالى،كالحلف بالصنم أو المخلوق أو الأمانة أو النبي أو حياة فلان أو ما شابه ذلك، والمذاهب الأربعة كلها تحرم الحلف بغير الله تعالى.

وقد نهى الله وحرم الحلف بغيره ،وألا يحلف المرء إلا بالله،كما قال تعالى(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)[1] ،وفيها دليل أن الله أرسل الرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقال عز وجل(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)[2]وفي الآية تحذير من الشرك وأنه إثم ومعصية عظيمة لا يغفر الله معها أي ذنب،وقال سبحانه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ)[3] فالشرك مُحبط للعمل يخسر المسلم أعمالا أفنى فيها عمره ،وأنفق فيها جهده وطاقاته.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الآ إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)[4] فحرم هنا الحلف بغير الله،وجعل الصمت مخرجا رحبا من الوقوع في المحرم.

وعن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حلف بالأمانة فليس منا)[5] وهذا الأمر قد وقع فيه الكثير من المسلمين اليوم،فيجعلون من الأمانة جسرا للحلف بغير الله، ومعلوم أن لوقوع الحلف وانعقاده ثلاثة أحرف وهي( الواو- الباء – التاء )مثل والله – وبالله – وتالله ،قالالإمام ابن باز رحمه الله(الحلف يكون بالباء، أو بالواو، أو بالتاء: تالله، والله، بالله، فهكذا إذا قال: بالأمانة والأمانة والكعبة بالكعبة، وحياة فلان، وشرف فلان، وحياة أبيه، ونحو هذا، كل هذا يسمى حلفًا بغير الله، لا يجوز)[6].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول : والكعبة ، فقال ابن عمر: (لا تحلف بغير الله ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)[7] ،ومثل ذلك من يحلف بالنبي أو بحياة فلان أو ما شابه ذلك ،كل ذلك لا يجوز،والصمت خير من الحلف بغير الله،كما قال صلى الله عليه وسلم(من كان حالفاً فليحلف باللّه أو ليصمت)[8].

وقد أجمع أهل العلم على تحريم الحَلفِ بغير الله، قال الإمام ابن عبد البر (لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع)وقال الإمام حسين بن غنام ، وهو من أئمة نجد (لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع)،وقال الماوردي (لا يجوز لأحد أن يُحَلِّف أحدا بغير الله ، لا بطلاق ولا نذر وإذا حَلَّفَ القاضي أحدا بذلك وجب عزله)،وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله(لا يجوز الحلف بالكعبة ولا بغيرها من المخلوقات ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (الحلف بغير الله أو بغير صفة من صفاته محرم ، وهو نوع من الشرك وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال(من قال واللات والعزى فليقل ( لا إله إلا الله)[9] ، وهذه إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص “لا إله إلا الله”).

قد يقول قائل أنا لا أقصد بالحلف بغير الله تعظيم المحلوف به ولكن جرت عادة على لساني، ومثل هذا يقال له،إن مثل هذا الفعل يوقع في كفر دون كفر،يكون شركا أصغر، قال الإمام حسين بن غنام (ومن حلف بغير الله معظما له تعظيم العبادة فقد أجمع أهل الإسلام على كفره وإن لم يقصد ذلك صار كفرا دون كفر)،وقال الإمامان حسين وعبد الله أولاد الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله جميعا  (الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر وقد يكون شركا أكبر بحسب قائله ومقصده ، فإذا حلف بغير الله جاهلا أو ناسيا فليستغفر الله ، وليقل لا إله إلا الله ، كما ثبت في الحديث الصحيح).

ومن الأمثلة الدارجة على ألسنة الكثير من الناس اليوم في الحلف بغير الله،مثل (بحياتي – بشرفي – بالشارب – بالسماء – برأس عيالي – وكذا كذا – بذا النعمة – بالكعبة – بالعون)و كذلك ( وحياتي-وحياة ابوك- والنبي- سايق عليك ربنا- سايق عليك النبي- والعيش والملح- وراس ابوك-وشبكة العشرة – وبالنعمة)وكلها ألفاظ تفضي إلى الكفر والشرك بحسب ما يكتنفه قلب الحالف ونيته،نسأل الله تعالى السلامة منها،قال الشيخ محمد بن ابراهيم في فتاواه( إن الحلف بالعَوْن حلف بغير الله)[10] .

 

 

هل تنعقد اليمين لمن حلف بغير الله:

لا تنعقد اليمين بالحلف بغير الله،وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم،قال ابن تيمية رحمه الله( وقد اتفق العلماء على أنّه لا ينعقد اليمين بغير اللّه، ولو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالأنبياء عليهم السَّلام لم تنعقد يمينه، ولم يقل أحد إنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء، فإنّ عند أحمد في انعقاد اليمين بالنبي روايتين، لكن الّذي عليه الجمهور كمالك والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو الصحيح)[11]،وقال ابن قدامة في المغني( ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحلف فيها، وهو قول أكثر الفقهاء)[12] .

هل يُجَاب من حلف بغير الله ويُنَفَّذ له ما حلف عليه:

كثير من الناس من يحلف على فلان من الناس بغير الله لعزيمة أو مناسبة أو خلاف ذلك،فيقول له والكعبة أو كذا كذا أو بالحرام إن توافق على عزيمتي أو دعوتي،ففي هذه الحال لا تنعقد اليمين ولا يحق للمحلوف عليه أن يُجيبه إلى طلبه أو يوافق عليه،لأن حلفه في الأصل باطل ولا ينعقد،ولا كفارة فيه،بل على الحالف إثم كبير لوقوعه في الكفر أو الشرك، ولا خروج من ذلك إلا بتوبة صادقة،وأوبة خالصة،مستوفية الشروط والقيود، قال العلماء( إن الحَلِف الذي يجوز، وتَترتب عليه آثاره هو ما كان بالله أو بصِفة من صفاته، أمّا الحلِف بغير ذلك فهو غير مُلزِم ولا تَترتب آثار على عدم البِرِّ به، ومع ذلك فهو ممنوع كما نصَّ عليه الحديث، وجاء التغليظ بأنه خروج عن الإسلام عن طريق الكفر بالله وعدم الإيمان به، أو عن طريق الشرك، أي: ضَمّ غير الله إليه في الألوهية وما يَتْبَعها)[13].

ومن العجيب الغريب في حياة الكثير من الناس اليوم،أنه لا يُذْعِن للحلف بالله إذا حُلف له به،وإذا حُلف له بالطلاق أو بكذا كذا أو بالحرام،أو بالأمانة أو بالنبي وما شابه ذلك إنقاد وأذعن،وهذا خلاف هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،كما قال عليه الصلاة والسلام آمرا أمته(مَن حلف بالله فليصدق، ومَن حُلِفَ له بالله فليرضَ، ومَن لم يرضَ فليس من الله)[14]، وإن كان الحديث في الخصومات ،إلا أن فيه دلالة على أن المسلم يرضى ويُذعن ويصدق إذا حُلف له بالله.

والمقصود أن على المسلم أن يحذر من الحلف بغير الله خشية الوقوع في الكفر والخروج من الإسلام،أو أن يخالطه شرك يفسد عليه إيمانه وأعماله.وإذا كان لا بد حالفا فليحلف بالله أو بصفة من صفاته،فيكون حَلِفه صحيحا إن حنث فيه كان له مخرجا بالكفارة.

والحَلِف واليمين عبادة وطاعة لله تعالى فلا يجوز صرفها لغير الله ،والمسلم مُتَعَبد لله بما شرع لا يجوز له الخروج عما شرعه الله عز وجل .وعلى من كان لسانه متعود على اللغو والحلف بغير الله أن يبادر بالتوبة الخالصة،فالتوبة الصادقة تجب ما قبلها،وأن يعود لسانه على الحلف بالله، وأن يستقيم على شريعة الله ويلزم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ،حتى يسلم وينجوا من سوء العاقبة، والرجال والنساء سواء في ذلك ،كما قال عز وجل(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[15]. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

[1] الأنبياء25.

[2] سورة النساء48.

[3] سورة الزمر65.

[4] متفق عليه.

[5] رواه أبو داود وصححه الألباني  .

[6] الموقع الرسمي لسماحته.

[7] رواه أبو داود وصححه الألباني.

[8] رواه البخاري.

[9] رواه البخاري وغيره.

[10] فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 11/129.

[11] مجموعة الرسائل والمسائل: ج ۱ ص ۲۰۹.

[12] المغني لابن قدامة: ج ۱۱ ص ۱۷.

[13] الموسوعة الشاملة 7/373.

[14] رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

[15] سورةالأنعام 153.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *