الحسد داء العصر… د. ناجي بن وقدان.

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:

الحسد بلوى عظيمة وشر مستطير، ومرض فتاك يفتك بالقلوب قبل النفوس ،وبالأعمال قبل المآل، والسعيد من وقاه الله شره، فالحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء ، وأول ذنب عُصي به في الأرض ،به خرج إبليس من رحمة الله ،وكُتبت عليه اللعنة إلى يوم الدينن ثم الخلود الأبدي في النار ، وبه خرج آدم من الجنة وأهبط مع إبليس إلى الأرض ليكونا عدوين إلى يوم القيامة. وبالحسد قتل أحد ابني آدم أخيه ظلما وعدوانا ليكون أول دم يَسْفك ظلما على الأرض، ولذلك يقول بن مسعود رضي الله عنه ،قال النبي صلى الله عليه وسلم( لا تُقتل نفس ظلما ،إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ،لأنه أول من سن القتل) متفق عليه .

وبالحسد والغيرة تمالأ إخوة يوسف على أخيهم بالقتل ثم انتهوا إلى إلقاءه في البئر ليتخلصوا منه ويخلوا جو أبيهم لهم ،ولكن العلو والعاقبة للمحسود ولو طال المدى، فلقد أصبح يوسف عليه السلام على خزائن الأرض عزيزا مكرما بعد ابتلاء مرير، وباتت الندامة والحسرة والخيبة لأخوته. وهكذا لكل محسود العقبى ولكل حاسد الخيبة والبوار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(الحسد مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس ولهذا يقال: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه) ، و قال أبو الليث السمرقندي (ليس شيء من الشر أضر من الحسد لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: (غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها ،ومذمة لا يحمد بها ويسخط عليه الرب وتغلق عليه أبواب التوفيق).

داريت كُل الناسِ لكن حاسدي * مُـداراته عَزت، وعَز مَنَالُها

وكيفَ يداري المرءُ حاسدَ نعمةٍ * إذا كـان لا يُرضيه إلا زوالها.

وللحاسد صفات يتصف بها وتلازمه حتى يُقلع عن هذه الخصلة الخبيثة، ومن تلك الصفات:

1- الحاسد يحمل نفسا خبيثة تنكشف بها أعماله ونواياه يكاد يكشفه كل الناس لذلك فالحاسدون لا يستطيعون كتمان صفاتهم الفاسدة وغالبا يصيبون بالعين فيزداد اذاهم وضررهم.

2- الحاسد في أغلب أحيانه إذا رأى نعمة على أخيه فإن لسانه يُعجَم عن ذكر الله والدعاء بالبركة، وتشتغل نفسه وتمنى لو أن النعمة زالت عن أخيه وأصبحت له.

3- الحاسد كثير التظلم  والتذمر والشكوى والتسخط على قضاء الله وتراه لا يتكلم الا عن قلة ماله وسوء طالعه وقله حظه.

4-الحاسد يغتاب صاحبه إذا غاب،ويتملق إليه إذا حضر

ويَشمت به إذا حلت به مصيبة، كما قال الله عز وجل (إن تصبكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم مصيبة يفرحوا بها).

5- الحاسد كثير الفضول والتطفل متتبع لعورات الناس، متلذذ بمصائبهم ، ثقيل الظل مكروه في المجالس، يجامله الناس اتقاء شره، ليس له صاحب ولا خليل.

6- الحاسد سيماه البخل، ويشترك مع البخيل في منع النعمة عن الغير.

7- الحاسد معترض على قسمة الله بين عباده بأفعاله لا بقوله، وكأنه يتهم الله بالظلم في قسمته بين العباد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

8- الحاسد مأزور غير مأجور على مصيبته، فكل مسلم مصاب مأجور إلا الحاسد.

9- الحاسد متلبس ببعض صفات النفاق إن لم تكن كلها، فوعده إخلاف، وأمانته خيانة، وحديثه في أغلبه كذب وتدليس،وخصومته فجور وكذب وظلم.

10- الحاسد طرف لسانه حلاوة، وباطنه خبث وسموم وشقاوة، كثير المراوغة، عديم المروءة، يعطيك من طرف اللسان حلاوة – ويروغ منك كما يروغ الثعلب.

11- الحاسد لا يحفظ سرا، ولا يكتم غيظا، كثير الغيبة والنميمة وإفساد ذات البين، يتلذذ بما يفسده ويراه من فرقة ومشاكل بين الأحبة ،كثير الغم والهم إذا رأى الألفة والمحبة بين القريب والبعيد.

12- الحاسد مكروه في الأرض ومكروه في السماءن صَلِف الحض، نَكِد العيش ، قال بعض الحكماء( ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود، نَفسٌ دائمٌ، وهمٌّ لازمٌ، وقلبٌ هائمٌ).

13- الحاسد حسناته هباء ، يبني شهرا ويهدم دهرا، حياته هباء، وعيشه شقاء، إن لم يتب إلى الله قبل الممات، وينزع عن هذا الشر والبلاء.

14- الحاسد متمسكن على حسب من أمامه من الناس ،فإن كان الذي أمامه من أهل الدين والصلاح، لَبس لباس التدين والمسكنة، وإن كان الذي أمامه من أهل الدنيا ،أتاه بثوب الدنيا وزين له سوء العمل.

والواجب على المسلم أن يتجنب الحسد، ويرضى بقسمة الله فإنما هي دنيا والرحيل منها محتم، وليستعين بالله تعالى ،وإذا رأى نعمة على أخيه فاليدعوا له وليبرك ،فإن الخير فيما قسمه الله بين العباد، وليحب لأخيه ما يحب لنفسه فإن ذلك من صلب الإيمان والتقوى.

نسأل الله تعالى أن يعيذنا والمسلمين من شر الحسد وأهله، وأن يَعمر قلوبنا بالإيمان والتقوى، ويرزقنا القناعة والإحسان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *