الحديث الرابع والثلاثون….. ( من رأى منكم منكرا…….)

عنأبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). رواه مسلم.

هذا الحديث أصل عظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وقد عده الكثير من العلماء الركن السادس من أركان الإسلام، وذلك لارتباطه بالدين والدماء والأموال والأعراض وحفظ الأمن النفسي والبدني للمجتمع،فبه قوام المجتمع وحماية الدين والعرض وتجنيب المجتمع والأمة رزايا العقوبات والمحن، فالأمة التي لا يقام فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،أمة معرضة لعقوبات الله ونقمه ولعنته، فعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله عز وجل أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم } رواه الترمذي وحسنه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم. رواه أبو داود والترمذي. ولا بد في تحقق المنكر من أمرين:

الأول: تحقق المنكر لدى المنكر أنه من المنكرات الواضحة الجليه التي لا لبس فيها.

الثاني: تحقق المنكر في من عمل المنكر،فقد يكون المرتكب للمنكر معذور كالذي يُرى في نهار رمضان يأكل في الطريق فلربما يكون معذورا بالسفر ويقاس على هذا.

فالواجب على كل مسلم ومسلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسبه {كما سيأتي} ولا يعذر فيه أحد من المسلمين.

( من رأى) من الناحية اللغوية {من} إسم شرط جازم، وفعلها {رأى} وجواب الشرط {فليغيره بيده…..}.

(رأى) الرؤيا هنا لفظ عام يفهم منه الرؤيا بالعين المجردة وبالسماع بالأذن والبلاغ بخبر ثقة أو مصدر متيقن منه، وهذا ما يحمل عليه اللفظ العام (رأى).

(منكرا) المنكر بتعريفه العام هو كل عمل خالف أمر الله ورسوله فهو منكر، وكل عمل خالف الشريعة فهو منكر، وكل عمل عُرف في العرف العام أنه منكر فهو منكر.

( فليغيره بيده) أي يعمل على تغيير هذا المنكر بيده،فمثلا شخص يرى آخر بيد زجاجة خمر،فإنه ينتزعها من يده ويكسرها،أو يرى في يده سيجارة فيأخذها منه ويتلفها، ولكن هذا الأمر لا يصل في كل الأحوال ومع كل الناس، فإن الأحوال تتغير وأخلاق الناس وأهواءهم كذلك تتغير، ولذلك يلزم هنا الحكمة والتروي والتفكير في العواقب ،ولهذا كان التغيير باليد ليس لكل أحد من الناس ،بل لذوي السلطان أولى كالحاكم أو من ينيبه من الجهات، أو سلطان الرجل في بيته، أو سلطانه في ملكه وشركته ومؤسسته،فهؤلاء يستطيعون التغيير باليد، أما في عموم الناس فإن المسلم يتوقف وينظر في العواقب،فإذا رأى أن المفاسد التي تنتج من إنكاره أعظم من المصالح فليتوقف، وإذا تساوت فليتوقف أيضا، وكذلك في المسائل التي حصل فيها اجتهاد يتوقف ولا ينكر. والخلاصة أن الإنكار باليد أمر خطير يتنبه له المسلم، خصوصا في هذه الأزمنة التي تلوثت فيها عقول البشر بالحضار الزائفة والمفاسد والوسائل المنتشرة.

(فإن لم يستطع فبلسانه) وذلك بالزجر والتوبيخ والعلم والحجة والدليل لصاحب المنكر، ولا بد أيضا من لزوم الحكمة وإسقاط الحجة والدليل على المنكر القائم، والتغيير باللسان لفظ عام يشمل الإنكار باللسان وبالكتابة عبر وسائل الاتصال والتواصل والصحف المجلات وتأليف الكتب في ذلك المنكر والتحذير منه .

(فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) أي ينكر المنكر بقلبه بأن يعتقد أنه منكر مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،وكذلك يكره هذا المنكر ويبغضه ويتمنى زواله وعدم حدوثه.وهذا أضعف مراتب الإيمان في إنكار المنكرات.

والخلاصة من الحديث أنه لا يعذر مسلم في إنكار المنكر وتعريف المعروف حسب قدرته وعلمه وطاقته بإحدى هذه المراتب الثلاث. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *